الحركة الكردية في سوريا: من الجذور إلى الحاجة للتجديد

طه بوزان عيسى


منذ أكثر من ستة عقود، وتحديدًا في عام 1957، انطلقت الشرارة الأولى للحركة الكردية السياسية في سوريا، على يد ثلة من الوطنيين الكرد الذين حملوا همّ الكرامة والحرية، في زمن كانت فيه السياسة محظورة، والانتماء القومي جريمة. كان من بين هؤلاء المناضلين: آبو عثمان، عبد الحميد درويش ،الشاعر الكبير جكرخوين، الدكتور نور الدين ظاظا، ورشيد حمو، وغيرهم ممّن خطّوا أولى ملامح الهوية السياسية الكردية في سوريا.

منذ نشأتها، تأثرت الحركة الكردية بالفكر القومي التحرري، وباليسار الثوري السائد آنذاك، ورفعت شعارات العدالة الاجتماعية، والمساواة، وحق الشعب الكردي في تقرير مصيره ضمن دولة سورية ديمقراطية. كان للإرث الفكري للأحزاب الكردية في العراق وتركيا تأثير واضح، خاصة فكر البارزاني وجلال طالباني، ولاحقاً عبد الله أوجلان بالإضافة إلى الماركسية التي ألهمت بعض القيادات الكردية في سوريا بشكل مباشر. ومع تحوّلات العالم في التسعينيات، وتراجع الأيديولوجيات الصلبة، بدأت الأحزاب تتبنى لغة الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتطرح رؤية بديلة ترتكز على المشاركة، اللامركزية، وحقوق المواطنة.

نشأت الأحزاب الكردية في بيئة قمعية، فتبنّت الشكل السرّي والمركزي في التنظيم، متأثرة بنموذج الأحزاب الشيوعية. لكن هذا النمط أدى لاحقًا إلى الانغلاق والانقسامات، فشهدت الحركة الكردية تفريخًا متواصلًا للأحزاب وغالباً ما كانت لا تستند إلى اي خلاف فكري أو سياسي وإنما بأسباب شخصية أنانية ورغبة في تصدر المشهد وحب الزعامة وذلك دون تغييرات جوهرية في الخطاب أو الأدوات. ظلت معظم الأحزاب تُدار بطريقة تقليدية، تُقصي الشباب والنساء، وتبقى رهينة القيادة التاريخية المغلقة، في وقت كانت فيه الشعوب تتحرّك نحو مزيد من الانفتاح والمشاركة.

رغم تعاقب الأجيال وتغير الظروف، لا تزال البرامج الحزبية الكردية تدور في فلك المطالب العامة، دون أن تقدم مشاريع واقعية لتحسين حياة الناس. فلا رؤية اقتصادية، ولا تصور للزراعة، ولا خطط للخدمات، ولا حتى برامج جادة في مجالات الثقافة والفن. المناطق الكردية اليوم ليست فقط كردية، بل هي فسيفساء غنية بالشعوب والطوائف: الكرد، العرب، السريان، الآشوريون، الأرمن، التركمان، الشيشان. ويجب ألا يغيب هذا التنوع عن الخطاب السياسي، بل الاستثمار فيه بقوة . فما نحتاجه هو مشروع وطني ديمقراطي حقيقي يستند إلى المواطنة لا إلى الهوية القومية فقط، ويحترم التعدد والاختلاف.

لم يعد من المقبول أن تبقى الحركة الكردية أسيرة الماضي. إن التحدي الأكبر اليوم ليس فقط في مواجهة الأنظمة الاستبدادية، بل في تجديد العقل السياسي الكردي ذاته. نحتاج أحزابًا شفافة لا تعمل خلف الأبواب المغلقة. نحتاج شبابًا يقودون، لا ينتظرون دورهم في الطابور. نحتاج نساءً في الصف الأول، لا في لجان ثانوية. نحتاج خطابًا يعالج الجوع، الفقر، النزوح، لا شعارات تُستهلك كل عام في ذكرى. نحن في منطقة غنية بالنفط، بالزراعة، بالتاريخ، بالثقافة. لا يجوز أن نظل نعيش بلا كهرباء، بلا تعليم جيد، بلا مياه، بلا مستشفيات، بينما “الحركة” تتحدث عن الحقوق القومية وتغضّ الطرف عن معاناة المواطن اليومية.

لقد أصبح صوت القواعد الحزبية الكردية في سوريا – وفي الشتات – أوضح من أي وقت مضى. هناك رغبة عارمة بالتغيير، ورفض متزايد لبقاء الهياكل على حالها. أعضاء الأحزاب، من الشبيبة والكوادر الوسيطة، لم يعودوا مستعدين للصمت على آليات التعيين، والإقصاء، وتدوير المواقع. هناك إصرار على ضرورة فتح باب النقاش الداخلي الحر، وإطلاق مراجعات شاملة للبرامج والسياسات، والانتقال من “القيادة التاريخية” إلى “القيادة الفاعلة”. فاستمرار الوضع الراهن يعني ببساطة فتح الباب أمام مزيد من الانقسامات، والتفكك، والتهميش السياسي. إذا لم تصغِ القيادات لصوت قواعدها، فسوف يفوتنا القطار مرة أخرى، وسنظل ندور في دوامة فقدان الثقة، والعجز عن تحقيق طموحات شعبنا التواق للحرية.

لقد آن أوان التغيير. ولن يكون التغيير إلا من داخلنا، عبر مراجعة شاملة للأفكار، والهياكل، والقيادات، والخطاب. فرصة اليوم لا تزال قائمة: لبناء حركة سياسية ديمقراطية كردية، سورية الانتماء، تقدمية الرؤية، تشبه طموحات الناس، وتحمي تنوّعهم. حركة تفتح نوافذها للشمس، وتستمع لنبض الشارع، وتمنح الأمل لجيل جديد لم يعد يقبل بالانتظار.

طه بوزان عيسى

 18 نيسان 2025

شارك المقال :

1 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
1 Comment
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
Taha
Taha
1 سنة

Spas ji bo we

اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…