الانقلاب الثقافي والتنمر الديسمبري

إبراهيم اليوسف
 
 

لا خير في ود امرىء متلون     إذا الريح مالت مال حيث تميل!*

الإمام الشافعي

 

تصاعدت نبرة الحديث عن تغييرات قادمة في المشهد السياسي السوري، في عشية تقدم “هيئة تحرير الشام” نحو حلب، ولاسيما في مرحلة ما بعد سقوط المدينة.  إذ انتشرت الأخبار عن اتفاقات تُحاك خلف الكواليس، وأن تسليم السلطة سيتم على مرحلتين:
الأولى من الطاغية بشار الأسد، والثانية من أبي محمد الجولاني، الذي سيعود إلى إدلب، لتُترك مؤسسات الدولة بانتظار من يمثل مشروع “سوريا للسوريين”.
-إنها بشرى كبرى
هكذا ردد الآلاف من النخب السورية ومن حولهم على امتداد البلاد!
فقد ارتفعت في هذه الفترة، أصوات متعددة، مُتباينة في توجهاتها ومواقفها، لتفرض رؤاها حول النظام، والمكونات السورية، ومستقبل البلاد. ومن الملفت أن بعض من كانوا ينادون بخطاب قومي أو يساري أو إسلامي، تحولوا فجأة إلى أبواق تدعو إلى إقصاء الآخر. ولم يعد هناك مكان للحوار، بل باتت القاعدة: “إما أن تفكر مثلي، أو أنت معادٍ وخائن..!؟
تبدل الولاءات
 من التبعية للنظام إلى استغلال المرحلة الجديدة
ظاهرة تبدل الولاءات ليست جديدة في سوريا، بل إنها متجذرة في ثقافة الانتهازية السياسية، نتيجة الثقافة التي أنشأ عليها نظام البعث، أجيالاً عدة، لاسيما في زمني الأسدين الكبير والصغير. فبالأمس، كان بعض هؤلاء يناصرون النظام، يُؤلبون ضد أصحاب الرأي، ويُخوّنون كل من يعارضهم.  فقد كانوا علمانيين وقوميين، واليوم أصبحوا “إسلاقومجيين”، يستقوون بالقوى الجديدة التي يعتقدون أنها ستسيطر على البلاد، ومنهم من يغازلها علناً، أو من يكاتبها، أو من ينافح عنها، ويخون كل مارق خارج عن الطاعة، بل ثمة من هم الأشد خطورة ألا وهم هؤلاء الذين يهددون، ويتوعدون، ويسوفون باسمها، لاسيما ضد الكرد والدروز، بعد أن ظنوا أن ما تم بحق العلويين يشفي غليل هؤلاء من متعطشي الدم، حتى من بين أوساط الكتبة، من دون أن تتم الدعوة لتقديم كل متورط إلى المحاكم، ولعل بعضهم يرى المتورطين من لم يلتحق بركب- الثورة السورية- ناسين أنهم نهلوا من حليب هذا النظام الذي كانوا هم أو ذووهم مجرد مصفقين له، وهذه بحد ذاتها من صنوف التورط غير المنظور له!
لو أن القوى القومية السورية، أو الماسونيين، أو حتى الإسرائيليين، أو الأتراك، أو الأمريكيين، أو الروس، تسلموا الحكم، لرأينا تسعين بالمئة من هؤلاء يصطفون معهم، ويسوغون سياساتهم كما فعلوا من قبل.  لقد راينا في الماضي، كيف كان هناك من يهدد خصومه من أوروبا عبر استغلال علاقاته بالنظام. واليوم، بعض هؤلاء أنفسهم يهددون باسم المرحلة الجديدة، ويمارسون التنمر السياسي تحت رايات أخرى، بحق غيرالمنتمين لجلدتهم، باسم القومية أو المذهبية بما يتماشى مع رؤى السلطة الجديدة المتربعة على سدة الحكم.
التلاعب بالمبادئ من أجل المصالح
 
لقد كانت تروى في بيوتاتنا الكردية، وفي مضافات القرى، حكايات عن هؤلاء المتحولين، الذين غيروا مبادئهم كما يُغيّرون ثيابهم، وفقاً لما يخدم مصالحهم. رأينا من تبنى المذهب الشيعي لأجل المال والمناصب، ومن التحق بالجمعية المسماة ب ” الإمام المرتضى” ليرتقي في سلم السلطة، ومن تربع في إدارات الدولة بأفضل الوظائف، ثم انقلب على الأسد الصغير، ظناً منه أن التغيير قادم لا محالة، على غرار ما جرى في تونس ومصر وليبيا واليمن والعراق.
والآن، نجد هؤلاء أنفسهم يتصدرون المشهد الجديد، بعضهم يصفق للسلطة الجديدة بتملق مقزز، وبعضهم يُهدد المختلفين باسمها، وكأنهم يملكون الحقيقة المطلقة. حيث بات كثيرون يرفعون رؤوسهم، متوهمين الشموخ، بعد أن انحنوا لسنوات للنظام، بينما يسخرون من أي مشروع وطني جامع، ويرفضون الاعتراف بخصوصيات الآخرين، إلا في إطار الفتات الذي يوزعونه على الهوامش.
نحو استقرار حقيقي لسوريا
رغم هذه التحولات، لا يزال الأمل في بناء سوريا الجديدة قائماً، لكن ذلك لا يمكن أن يتحقق دون مواجهة هؤلاء المتنمرين السياسيين، الذين لا يترددون في استخدام أي أداة لتحقيق مكاسبهم. إن نجاح أي مشروع سياسي في سوريا، لا بد أن يستند إلى العدالة والشراكة الحقيقية بين مكوناتها، بعيداً عن استغلال القوى والمراحل المتغيرة.
إنني، رغم موقفي من الطريقة التي وصل بها السيد أحمد الشرع إلى السلطة، ورغم التسويغات التي استخدمها لتقديم نفسه رئيساً مؤقتاً،- ولم أكن أتوقعها البتة-إلا أنني أرجو النجاح في المهمة التي  كلف نفسه بها بطريقة غير شرعية، من أجل مستقبل سوريا. فهو يمتلك لغة سياسية معقولة وثقافة جيدة، لكن التحدي الأكبر أمامه هو التخلص من هذه الطفيليات السياسية، التي ستقفز إلى سفينة أي سلطة جديدة.
وإذا ما تغير الشرع، وجيء- لا سمح الله – بنسخة أخرى من البعث اليميني، أو البعث السوري، أو برئيس من السويداء أو الساحل، لرأينا الوجوه تُسوّغ لهذا القادم، بالقدر ذاته من الحماسة والانتهازية والنفاق!!.
إن التحولات السياسية السريعة التي شهدتها سوريا، كشفت عن ظاهرة “التنمر الديسمبري”، حيث يتحول بعض المتسلقين من تبعية إلى أخرى، دون خجل أو تردد. هؤلاء يشكلون خطراً على أي مشروع وطني حقيقي، لأنهم مستعدون لبيع مواقفهم في أي لحظة، وفقاً للرياح السياسية السائدة. ومن هنا، فإن سوريا بحاجة إلى استقرار حقيقي، مبني على قوى وطنية تؤمن بالديمقراطية والشراكة، لا على انتهازيين يُبدلون أقنعتهم مع كل مرحلة جديدة، كما نبدل أحذيتنا أو جواربنا…!
*هامش:
بين الشافعي أعلاه سمعته من أبي منذ طفولتي الأولى
-هكذا رضعنا ثقافة قول”لا”
وكملحق للملاحظة: حقاً  لقد كنت أخال عروض صدر البيت إحدى مفردتي” متقلب”” متبدل” تناوباً، وليس لهذا التحسب أي بعد خارج تقسيم البيت الشعري.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين عفوا ياسادة الافاضل : يتحدثون عن تشكيل المرجعية الكردية في سورية ، في الدول الديموقراطية مجلس النواب هو المرجع الاساسي لانه منتخب من الشعب ( ليس معينا ، فالمعين لايصبح مرجعا ) قبل عام وتيف ( 26 نيسان 2025 ) اتفقت أطراف كردية كثيرة على عقد كونفراس شامل وشكلوا وفدا برأسين ( دليل عدم التوافق ) وتحت قيادة…

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…