الانتقام من الظالم بـ” الشحاطة ” و” الشخاخ “

 إبراهيم محمود

 

شاهدتُ في مقطع فيديو، كيف أن طفلين بحدود العشر سنوات عمراً، يبولان” يشخان ” على تمثال نصفي لحافظ الأسد وفي مشهد آخر، لرجل ملقب بـ ” أبو طه ” وربما تكرر ذلك في أمكنة كثيرة أخرى في سوريا، حيث ذكَّرني ذلك بالذي كان يضرب بـ شحاطته ” على صورة للطاغية صدام حسين، بعد إسقاط نظامه .

تلك هي نهاية متوقعة ولماحة، مهما كان الزمان أو قصر، لكل مستبد. إذ يشترك كل من البول والصندل أو الشحاطة بقاسم مشترك، مرئي، وهما يفصحان عن ذلك الكبت أو القهر المتراكم في النفس، وإلى أي درك حل فيه صاحب الصورة أو التمثال المتداعي من جهة القيمة، أو الاحتقار، أي ما يعرَف بـ” مزبلة التاريخ “.

من يمكنه التنكر لحكمة التاريخ وحكمته، لانتقامه، ممن يكتبونه بإشراف أو ضغط وغيرهما، تعظيماً لما يجعل مما يوهم بوقف التاريخ في نطاق الجاري تعظيمه؟

إن نظرة سريعة إلى تاريخ المنطقة، ومصير طغاتها منذ آلاف السنين، تظهر الصورة المقيتة والمخزية، كما يستحقونها لهم. ليس من ناج بفعله من انتقام التاريخ، فالتاريخ هذا الذي يُسحب من ” ذيله ” ليكون صوت الطاغية وكل مستبد، صورته، رائحته، ظله، كلامه، صحوه ونومه، قيامه وقعوده، تعليماته…إلخ، هو نفسه الراكل له في وقت معلوم.

غريب أمر هؤلاء الذين يكررون ما هو تاريخي بالصوت والصورة، ولا يتعظون. فالشخاخ، كما هو المتداول عامياً، ما يجري التخلص منه، باعتباره مضراً بالجسم إن جرى حبسه فيه، أو عدم التخلص منه، ليكون ممرّراً لذلك القهر النفسي، ومفيداً لصاحبه، وهو يراه في خيطيته، أو تناثره على التمثال أو الصورة التي كان يجري حملها أو حراستها وعبادتها.

هكذا الحال مع الشحاطة، باسمها العامي كذلك، وهي بتلك القيمة المستهلكة، أداة انتقام، وتمريراً لقهر تاريخي مماثل، وإشعاراً بالنهاية المهينة والاحتقارية للمتبوَّل عليه، أو الجاري ضربه شحاطياً.

مفارقة، يبدو أنها نافذة في الزمان والمكان، وفي منطقتنا كثيراً، جهة هؤلاء الذين لم يدخروا ولا يدخرون جهداً في توجيه شعوبهم بـ” الصرماية ” وها هم يجري دوسهم بالصرماية.

في فقرة للشاعر والذي اعتقل في سجن النظام نظام حافظ الأسد، فرج بيرقدار، قرأت ما هو مرعب، حيث تمضي بهم حافلة محروسة من سجن صيدنايا إلى سجن تدمر، إن لم تخني الذاكرة، من خلال شتائم أحد سفلة النظام في الحافلة، وبعد شتائم عدة:

ولِك بولو ينشرب .. خريتو تتاكل !

وها هو ومن جاء في أثره معروض تحت الشخاخ والرجم بالخرية … يا لحكمة التاريخ مجدداً.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني مقدمة يشكّل القائد الكوردي مصطفى البارزاني أحد أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية في تاريخي الشرق الأوسط المعاصر. فقد ارتبط اسمه بالحركة التحررية الكوردية طوال ما يقارب نصف قرن من النضال السياسي والعسكري، وكان أحد القادة الذين أسهموا في تحويل القضية الكوردية من انتفاضات قبلية متفرقة إلى حركة قومية منظمة ذات مشروع سياسي واضح. وتكمن أهمية دراسة فكر البارزاني في…

وردنا اليوم خبر مؤلم من أحد المفرج عنهم من سجن علايا، يفيد بأن ابننا ديار مستو قد أُصيب داخل السجن بمرض الربو، نتيجة الأوضاع الصحية والإنسانية المتردية السائدة هناك. وبحسب ما نُقل إلينا، فإنه يعاني من نوبات متكررة من ضيق التنفس، ويضطر إلى استخدام البخاخ بشكل متواصل، وفي بعض الأحيان يُسمح له بالخروج من المهجع لالتقاط أنفاسه عندما تشتد عليه…

الأستاذ وليد جنبلاط المحترم تحية طيبة في الذكرى السنوية لاستشهاد المعلم والقائد الوطني صديق شعبنا الكردي وسائر الشعوب المناضلة من اجل الحرية الراحل كمال جنبلاط . لقد تعاملنا مع الشهيد عن كثب قبل ، وخلال الحرب الاهلية ، وكنا معه ومع قادة العمل الوطني في لبنان من مؤسسي الحركة الوطنية اللبنانية بزعامة تلك القامة العالية ، والعاملين في مختلف مؤسساتها…

د. محمود عباس لم يكن البيان الذي أصدرته وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان مجرد رد إداري على اتهامات أطلقتها وزارة النفط في بغداد، بل كان في جوهره محاولة لوضع النقاش في إطاره الحقيقي، بعيدًا عن السرديات السياسية التي تُصاغ أحيانًا لتغطية أزمات أعمق في بنية العلاقة بين المركز والإقليم. فالقضية المطروحة اليوم ليست مسألة تقنية تتعلق بتصدير النفط…