استدعاء الأمويين في الخطاب السنّي السوري حنين إلى المجد أم إعادة إنتاج للانقسام؟

فواز عبدي

في مشهد الصراع السوري، تُستدعى رموز التاريخ الإسلامي بشكل متكرر من قبل الفصائل المختلفة، كلٌّ بحسب توجهه وهويته. ومن بين تلك الرموز، يبرز اسم الدولة الأموية / بني أمية / الأمويين بقوة في خطاب بعض الجماعات والفصائل ذات الطابع السنّي، خصوصاً تلك التي ترى نفسها امتداداً لـ”أمجاد الماضي”. لكن استحضار بني أمية اليوم، في سياق شبه حرب أهلية معقدة، لا يبدو بريئاً أو محايداً، بل يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بالهوية والسلطة والانتماء.

لم يكن الأمويون مجرّد سلالة حاكمة، بل أسّسوا أول دولة إسلامية عربية كبرى بعد الخلافة الراشدة، واتخذوا من دمشق عاصمة لهم. امتد حكمهم على مساحات شاسعة من العالم القديم. في الرواية السنّية التقليدية، يُنظر إلى هذه الفترة على أنها عصر توسّع وقوة ومجد، خصوصاً مع ارتباطها بالعروبة والإسلام السنّي. بالمقابل، يحتفظ كثير من الشيعة بذاكرة مغايرة، يرون فيها عهد الأمويين رمزاً للظلم والانحراف، خاصة بسبب دورهم في مقتل الحسين بن علي واضطهاد آل البيت.

في سوريا اليوم، تحوّل هذا الإرث التاريخي إلى رمز مشحون بالمعاني الطائفية والسياسية، يُستخدم لتعبئة الجمهور أو شرعنة المطالبات بالسلطة من قبل بعض القوى والفصائل.

في الأشهر الأخيرة، بدأت بعض الفصائل المسلحة المندمجة في سلطة الأمر الواقع ترفع هذا الخطاب بشكل علني وغير مسبوق. فقد باتت تنادي، عبر مكبّرات الصوت في المظاهرات والمنابر، بضرورة “استعادة دور بني أمية” من قلب دمشق. لم يعد الحديث مجرّد تلميح أو استعارة، بل تحوّل إلى خطاب مباشر يربط بين المشروع السياسي الراهن وتاريخ الحكم الأموي، بوصفه النموذج الذي ينبغي إعادة إنتاجه. هكذا تُستعاد الهوية السنية-العربية بوصفها أساساً للحكم، في مقابل تهميش أي تصور مدني أو تعددي للدولة.

الخطورة هنا تكمن في أن هذا الخطاب يُقدّم قراءة تبسيطية وانتقائية للتاريخ، تُحمّل المكوّنات الطائفية الأخرى مسؤولية رمزية عن “سقوط الحكم السنّي”، وكأن البلاد ليست مجتمعاً متعدّداً في مكوّناته الدينية والقومية، بل مجرد ساحة لتصفية حسابات موروثة.

عند استحضار الدولة الأموية في خطابات تلك الفصائل، نادراً ما يكون التركيز على الإنجازات الحضارية أو الإدارية، بل يُوظّف الاسم كرمز للغلبة والشرعية الدينية، في مواجهة طوائف يُنظَر إليها كغاصبة أو دخيلة، بحسب سردية البعض. يترافق هذا مع مفردات شديدة الاستقطاب تُعيد إنتاج لغة “الروافض” و”الثأر التاريخي”، وهو ما يعمّق الانقسام الأهلي ويغلق أبواب المصالحة.

أي سوريا نريد؟

إذا كان الهدف من الثورة هو بناء دولة عادلة وحرة، فإن استدعاء رموز مثل بني أمية لن يخدم هذا المشروع. بل العكس، فإن ربط الهوية الوطنية بفترة تاريخية قائمة على العصبية القبلية والحكم الوراثي، لا يمكن أن يؤسّس لدولة حديثة، بل فقط لمزيد من التفكك والانقسام.

سوريا الجديدة لن تُبنى على “مجد تاريخي” لطائفة دون غيرها، بل على عقد اجتماعي جامع، تُؤسس فيه الدولة على أساس المواطنة، والمساواة، والعدالة للجميع. مشروع الدولة لا يحتاج إلى رموز الماضي بقدر ما يحتاج إلى رؤية سياسية حديثة تتجاوز المظلومية والانتصار الطائفي.

قد يبدو استدعاء بني أمية في الخطاب السنّي السوري تعبيراً عن حنين إلى عصر ذهبي، لكنه في جوهره يعكس أزمة هوية سياسية ومحاولة لفرض سردية دينية مغلقة لا تتسع لجميع السوريين. وإذا استمر هذا النوع من الخطاب، فسنجد أنفسنا لا نُعيد بناء سوريا، بل نُعيد تمثيل مشاهد من صراعات قديمة، كان الأجدر أن تكون عبرة لا خارطة طريق.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد بلال يُعدّ الشعب الكوردي من أقدم شعوب الشرق الأوسط وأكثرها تمسّكًا بأرضه وخصوصيته الثقافية. وعند التأمل في الديانة الإيزيدية ومقارنتها بعادات وتقاليد الكورد، تتضح صلةٌ عميقة تدل على أن كثيرًا من الملامح الإيزيدية ما تزال حاضرة في الشخصية الكوردية، رغم اعتناق أغلبية الكورد الإسلام عبر القرون. كان الكورد معروفين بصدقهم في القول، حتى أصبح يُقال عن الكلام الحق: “كلام…

عدنان بدرالدين إذا كانت الحلقة الأولى قد بيّنت كيف تبدأ فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة» بين نقد ماركس لبراءة الديمقراطية الشكلية ودفاع آرندت عن السياسة بوصفها فعلًا لا يجوز اختزاله في الإدارة، وإذا كانت الحلقة الثانية قد أضافت، مع فيبر ونيتشه، عنصرين حاسمين هما الوعي بأن السياسة بلا ضمانات، والشك في أن الحياد لغة بريئة حقًا، فإن هذه الحلقة الثالثة تصل…

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…