إبادة العلويون.. 6 و7 آذار… يوم العار والذبح على الهوية

أزاد فتحي خليل

 

جرائم لن تُمحى… والعدالة لن تسقط بالتقادم!

دماءٌ بريئة سالت، وأجسادٌ مزقتها الكراهية، وأرواحٌ صعدت شاكيةً إلى السماء… تلك هي مأساة السادس والسابع من آذار، أيامٌ سوداء حفرت في ذاكرة السوريين كأحد أسوأ فصول القتل الجماعي على الهوية، يومٌ لن تُمحى وصمته، ولن تُغلق صفحته، مهما حاول القتلة طمس الحقيقة أو تبرير الجريمة.

ما جرى لم يكن معركةً بين جيوش، ولا مواجهةً بين مسلحين، بل كان حملةَ قتلٍ منظمة، استهدفت مدنيين على أساس انتمائهم الطائفي، نساءً وأطفالًا وشيوخًا، قُتلوا بدمٍ بارد، لأن خطاب الكراهية منح القتلة مبررًا لسفك دمائهم. قُطّعت أوصال عائلات بأكملها، سُحلت الجثث في الشوارع، وامتلأت القرى والمدن بمشاهد تُعيد للأذهان صور الإبادة الجماعية التي اعتقد العالم أنها باتت من الماضي.

وحشية بلا حدود… أي انتصار هذا؟

المشاهد القادمة من الميدان لا تحتمل التأويل ولا مجال فيها للحياد. قتلٌ جماعيٌ موثق، محاكماتٌ ميدانية، تصفياتٌ على الهوية، ارتالٌ من السيارات والمدرعات والمسلحين الذين حولوا البلدات والقرى إلى مسالخ بشرية.لم يكن الضحايا جنودًا في معركة، بل كانوا طلابًا في جامعاتهم، عمالًا في مصانعهم، أطباءً في مستشفياتهم، عائلاتٍ احتمت بجدران منازلها فلم تحمها من بطش الموت القادم باسم الثأر!

أي انتصار هذا الذي يُعلن على جثث المدنيين؟ وأي مقاومةٍ تُبرر بإعدام الأبرياء؟ كيف يمكن لمن ثار على الظلم أن يتحول إلى نسخة أخرى من الجلاد؟

القتلة لن يفلتوا من العقاب!

من أعطى الأوامر، ومن حرض، ومن نفذ، ومن صمت، جميعهم شركاء في الجريمة، ولن تنفعهم صرخات التبرؤ بعد أن سالت الدماء. إن هذه المجازر لن تُمحى بالتبرير، ولن تُطوى بالنسيان، وستظل ملفًا مفتوحًا في المحاكم الدولية حتى يُقتص لكل روحٍ أُزهقت غدرًا.كل من ساهم في هذا اليوم الأسود، بقلمه أو سلاحه أو صمته، سيلاحقه العار، وستطارده لعنة الضحايا. لن تكون هناك عدالةٌ في سوريا ما لم يُحاسب القتلة، ولن يكون هناك مستقبلٌ دون إنصاف الدماء التي سُفكت بلا ذنب.

حين تتحول السلطة إلى ميليشيا!

كيف يُمكن الحديث عن دولةٍ، فيما رئيسها يتبنى القتل الطائفي، ويفاخر بالمجازر، ويدعي أنها “تجاوزات فردية”؟! أي دولةٍ هذه التي تُبرر الإبادة الجماعية، وأي حكومةٍ تلك التي ترسل جيوشها للقتل بدلًا من حماية المدنيين؟

لم يعد المشهد يحتمل التجميل، السلطة التي كانت تُحاول الحفاظ على واجهة الدولة، سقطت القناع، وتحولت إلى ميليشيا مسلحة، لا تختلف عن أي تنظيم متطرف يمارس القتل باسم العقيدة أو الثأر.

لا مكان للكذب… السوريون يرون الحقيقة!

يحاول البعض التلاعب بالسرديات، تارةً يتحدثون عن “محاربة الفلول”، وتارةً عن “اجتثاث الخونة”، لكن هل يعتقدون أن السوريين سُذجٌ إلى هذه الدرجة؟!

أي “فلول” تلك التي تشمل أطفالًا في مهودهم، وأي “خونة” أولئك الذين قُتلوا لمجرد أنهم ينتمون إلى طائفة بعينها؟ من يستطيع أن يقنع العالم بأن ذبح العائلات هو جزءٌ من معركة الحرية؟

لقد ثار السوريون يوم قتل النظام أبناء درعا في 2011، واليوم، الذين كانوا ضحايا الأمس، تحولوا إلى جلادين يقتلون الآخر تحت شعاراتٍ براقة. أيُعقل أن من عانى من القهر يصبح قاهرًا، ومن اكتوى بنار الإبادة يتحول إلى منفذٍ لها؟!

دولة لا تُبنى على جماجم الأبرياء!

لا يمكن لأي مشروعٍ سياسي أن ينجح إذا كان قائمًا على الإقصاء الطائفي. لا يمكن لسوريا أن تنهض إذا بُنيت على أشلاء المذابح الجماعية. من يعتقد أن القتل يُمكن أن يكون طريقًا للنصر، فهو لا يفهم التاريخ ولا يعرف مصير القتلة في كل الأزمنة.

الرحمة لكل نفسٍ بريئةٍ أُزهقت، والعار لكل من ساهم في هذا اليوم المشؤوم. إن ما جرى في 6 و7 آذار لن يكون مجرد حادثة عابرة، بل علامةٌ فارقةٌ في الصراع السوري، وخطٌ أحمرٌ لن يُمحى، مهما حاول البعض التلاعب بالسرديات وتجميل الجريمة.

الخميس الأسود… يوم العار بامتياز!

في هذا اليوم، لم يُقتل أفراد، بل قُتلت قيم العدالة، وانتهكت روح الثورة، وسُحقت مبادئ الدولة المدنية. هذه المجازر ليست مجرد حدثٍ عابر، بل جرحٌ عميقٌ في جسد سوريا، لا يُمكن أن يُشفى إلا بالاعتراف بالخطأ، ومحاسبة المجرمين، والتمسك بقيم العدالة والإنسانية التي انتفض السوريون من أجلها قبل سنوات.

يومٌ سيظل شاهدًا على وحشية القتلة، ويقظة الضمائر، وحقيقة أن الدماء البريئة لا تضيع، وإن تأخر القصاص!

*كاتب وباحث سياسي

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….