ألا هل بلغت… اللهم فاشهد؟

علي جزيري

نشرت جريدة قاسيون، في الخميس المصادف في 17 نيسان 2025 مقالاً تحت عنوان: “لماذا نحن ضد الفيدرالية؟” انتهج القائمون عليها سياسة الكيل بمكيالين البائسة بغية تسويق حجتهم تلك، فراحوا يبرّرون تارة الفيدرالية في بلدان تحت زعم اتساع مساحتها، ويستثنون سوريا لصغر مساحتها…!  وتارة أخرى يدّعون أن سويسرا ذات (أنموذج تركيبي)، يليق بها ثوب الفيدرالية، أما سوريا فلا تناسبها الفيدرالية قط…!  

لكن، هذا القول يتناقض مع أبسط حقائق التاريخ، لأن سوريا وليدة سايكس – بيكو، وأُلحِقَ بها جزءٌ من كوردستان الكبرى، وهي منذ نشأتها دولة مركبة (متعددة المكونات: القومية، الدينية والمذهبية).  وتمضي الجريدة قدماً في رفض الأنموذج الفيدرالي العراقي أيضاً، رغم أن الحزب الشيوعي العراقي كان مشاركاً في صياغته وبنائه، وحجة قاسيون في ذلك أن الفيدرالية فرضها المحتل الأمريكي، متناسية في الوقت نفسه أن نشأة الكيان العراقي منذ بداية القرن العشرين كان أيضاً بفعل الاستعمار الذي ألحق ولاية الموصل ذات الأكثرية الكردية به، مما أدى إلى خلق واقع جيوبولوتيكي جديد في العراق.

نُدرك مما سبق، أن مدبجي المقال لا يفقهون ألف باء منهجية الجغرافيتين السياسية والتاريخية، لأن (القضية الكردية) في كل من سوريا والعراق، رغم جوهرها العادل، ولّدت مثل هذه المواقف السلبية المتوجّسة من كل مطلب مشروع.  وفي سوريا التي ألحق بها جزء من كوردستان وفق سايكس – بيكو، نسجت حكوماتها المتعاقبة مثل هذه الترُّهات الباطلة بغية تشويه نضال شعبنا الكردي أمام الرأي العام السوري والعربي، ووصمت الدعوة لنيل الحقوق المشروعة بـ “الانفصالية”، وسعت جاهدة لتغييب أبسط حقائق التاريخ بالتعارض مع منطق العصر.

كان من المنتظر أن يقرَّ هذا الفصيل الماركسي بحل ديمقراطي للقضية الكردية في سوريا، وأن يناصر شعباً أصيلاً يعيش على أرضه التاريخية، لا أن يجترَّ تُرَّهات الشوفينيين وايديولوجية البعث، ويتناسى مبدأ “حق الأمم في تقرير مصيرها”.  فالرئيس عبد الناصر، وانطلاقاً من تعزيز العلاقات العربية – الكردية، لم يؤيد المطالب الكردية في العراق في الحكم الذاتي فحسب، بل رأى في الفيدرالية حلاً أمثل للوضع، ولا نخفي أن لينين بدوره أمر بانشاء جمهورية “كوردستان الحمراء” ذات الحكم الذاتي عام 1923 في منطقة صغيرة ذات غالبية كردية بين أذربيجان وأرمينيا، إنطلاقاً من هذا المبدأ.

لقد أثارت قاسيون شجوناً شائكة حقاً، حين اختزلت الفيدرالية في “التقسيم” أو “الانفصال” كتشويه فظ لهذا المفهوم، فالفيدرالية – على حدِّ قول الزميل أكرم حسين – خيار ديمقراطي يطبق وفق ظروف عالمنا المعاصر، لا تعني التفكك قط، بل هي عقد سياسي تشاركي جديد لحماية “هوية” كافة المكونات السورية، بينما “المركزية” المفرطة هي أحد أشكال الاستبداد السياسي والطغيان، وهي مصدر القلق والاضطرابات والتهميش والاقصاء وإنكار الحقوق المشروعة لسائر المكونات، تلك السياسات التي عانينا في ظلها الأمرّين منذ عقود.

إن تحديد هوية سوريا، بأمسّ الحاجة اليوم إلى حوار وطني شامل، لا يستثني أحداً، لأن الفيدرالية تعني أحد أشكال اللامركزية، وهي حل منطقي للحفاظ على وحدة البلاد، دون استئثار مكون وحيد بالقرار السياسي، فيكفينا اجترار تجربة آل الأسد المقيتة… وأعتقد أنه آن الأوان للاتّعاظ بكوارثها.

===========

صحيفة ( كوردستان ) / العدد 751

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين إشكالية الداخل والخارج : بين حين وآخر نسمع أصواتا – فيسبوكية – تدعو الى اسكات كرد الخارج ، ومنح احقية الكلام حول الشعب ، والوطن ، والقضية لمن هم بالداخل فقط ، وكما أرى : ١ – بسبب تعرض الكرد السوريين للاضطهاد القومي منذ الاستقلال وحتى يوم سقوط نظام الاستبداد في الثامن من ديسمبر \ ٢٠٢٤ ، وملاحقة…

اكرم حسين يشهد تاريخ سوريا المعاصر مرحلة مفصلية، حيث يتداخل الحاضر بالماضي وتتراكم المصائر على مفترق طرق جديد يعيد رسم علاقات مكونات الدولة السورية ، وفي القلب منها المكون الكردي. فبعد الاتفاق الذي تم في 18 يناير 2026، تلت التطورات التي بدأت بانسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من دير حافر ومسكنة ، وتعرضها لهجوم من بعض أبناء العشائر العربية ،…

عبدو خليل Abdo Khalil وفق أحدث تصريحات إلهام احمد تقول بدم بارد ( قد تندلع حرب جديدة).. بينما من المفترض أن الأمور تسير على مهل في الحسكة و القامشلي وكان آخرها كمؤشر على تقدم الأستقرار، إعادة تأهيل مطار القامشلي.. ولكن على ما يبدو لا يمكننا البتة الفصل بين التحضيرات العسكرية الأمريكية التي تمضي على قدم وساق ضد إيران وبين ما…

خالد حسو   تُعبّر العزة القومية عن وعي جماعي بالهوية والوجود والحقوق التاريخية والثقافية لشعبٍ ما، وهي مفهوم سياسي وقانوني يرتكز على مبدأ الاعتراف المتبادل بين المكونات داخل الدولة الحديثة. ولا تُفهم العزة القومية بوصفها نزعة إقصائية أو مشروع هيمنة، بل باعتبارها تمسكًا مشروعًا بالكرامة الجماعية، ورفضًا لأي أشكال التهميش أو الإنكار، ضمن إطار يحترم التعددية والمساواة في الحقوق والواجبات….