أبواق الفتنة والتهليل لقرع طبول الحرب!

إبراهيم اليوسف
 
لايزال بعض أبواق الفتنة، رغم سقوط نظام الطاغية الأسد وانهيار عهد البعث العنصري الذي أمعن في سحق المكونات السورية عقودًا، إلا أن بعض هؤلاء ينفثون سمومهم، ساعين، على نحو مريب، مفضوح، إلى إشعال فتيل الفتنة بين أبناء الوطن الواحد، محرضين المكونات المتعايشة مع الكرد ضدهم، متذرعين بحجج واهية ورايات تخفي وراءها مشاريع انتقامية لا تمتّ للعدالة بصلة، مع تأكيدنا- مسبقاً، هنا، أن أية جريمة بحق أي سوري لابد أن توثق ضمن قائمة الجرائم المرتكبة والتي  دفع جميع السوريين ثمنها، باهظاً، ولابد أن توضع على قائمة مرحلة العدالة الانتقالية . هذه الأصوات التي ترتفع اليوم تدعو إلى حرب أهلية بأدوات إعلامية خبيثة تحت ذريعة التصدي لقوات سوريا الديمقراطية” قسد”، متجاهلة حقيقة أن هذه القوات، رغم كل الملاحظات عليها، ليست كيانًا كرديًا خالصًا، بل تضم في صفوفها أبناءً من مختلف مكونات سوريا؛ من عرب وسريان وآشوريين وغيرهم ممن اختاروا الانضمام إليها لأسباب تتفاوت بين الضرورة الدفاعية والقناعات السياسية.
ليس من سرّ أن كل قوة عسكرية أو فصيل في ساحة الصراعات قد ارتكب انتهاكات، وهذه حقيقة مريرة لا يمكن تجاهلها. ومع ذلك، فإن ارتفاع الأصوات التي تستهدف قوات سوريا الديمقراطية بشكل خاص لا يقتصر على نقدها أو توثيق الانتهاكات فحسب؛ بل يتعداه إلى محاولة واضحة لتجريد الكرد من القوة الحامية التي تجمعهم مع العرب والسريان والآشوريين والأرمن والكرد أنفسهم. إن مثل هذا الانتقاص من الدور الحاسم الذي تلعبه هذه القوة في حماية الفئات المتنوعة في الوطن، يُفضي إلى تفكيك التماسك الاجتماعي ويغذي الانقسامات التي لا بد منها في ظل الظروف الراهنة، مما يهدد الاستقرار ويُفضي إلى تأجيج فتيل الفتنة بدلًا من بناء جسور الحوار والتكامل الوطني.
لقد كنت من أوائل الذين عملوا في مجال حقوق الإنسان- كردياً- ضمن  اول منسقية حقوقية تأسست قبل الثورة السورية  بسنوات، في ظل نظام الأسد، ورصدنا حينها الانتهاكات التي ارتكبها النظام، قبل الثورة المجهضة، وبعدها، ببراميله المتفجرة وطائراته، إلى جانب الانتهاكات التي مارستها فصائل مسلحة بمختلف انتماءاتها، كل ذلك تحت مظلة “فيدرالية حقوق الإنسان السورية” التي ضمت منظمات كردية وعربية وسورية متنوعة وسعت إلى توثيق الحقيقة بعيدًا عن الاصطفافات القومية والمذهبية الضيقة. أما اليوم، فإننا نشهد ظاهرة خطيرة تتمثل في ظهور أصوات تُعيد استحضار الانتهاكات التي جرت،  وتجري، في خضم الحرب؛ بعضها مثبت وبعضها بحاجة إلى تدقيق، لكنها تُستخدم بانتقائية خبيثة بهدف تأجيج الصراع لا تحقيق العدالة. إن أي اعتداء على أي سوري مهما كانت هويته جريمة مدانة لا يمكن التغاضي عنها، لكن التوظيف السياسي لهذه الجرائم لصالح أجندات معينة واستخدامها كوقود لإشعال الفتن بين أبناء الوطن الواحد لا يخدم سوى أولئك المتربصين بسوريا ككيان وشعب، لاسيما إن كان هؤلاء قد غضوا النظر، أو لايزالوا يغضونه، أنى ارتكبت، أو ترتكب، جرائم بحق الكرد، بعكس ما قمنا به؟
لا أحد يمنع أي منظمة حقوقية مختصة أو أي مواطن غيور من رصد الانتهاكات بلغة قانونية مهنية موضوعية، لكن ما يجري الآن ليس توثيقًا محايدًا بقدر ما هو دعوات للتظاهر من الخارج، تحريض على العنف وتهيئة الأرضية لانفجار اجتماعي  وطني كارثي؛ تلك الدعوات التي تُحمل شعارات براقة لا تستهدف كشف الحقيقة، بل تهدف إلى إحداث ردود أفعال خطيرة بين المواطنين قد تعيد إنتاج سيناريوهات الفوضى والاقتتال الداخلي. وفي ظل مرحلة انتقالية يجب أن تُبنى العدالة الانتقالية على أسس الإنصاف لا الانتقام، نجد من يحاول تصوير الكرد وكأنهم “محاربون غزاة” أو “ضيوف طارئون” على أرضهم التاريخية؛ روايات مغلوطة تعد نواة مشروع خطير لإعادة إنتاج الصراع عبر تهيئة الأرضية لاضطهاد جديد.
ومن المفارقات التي يتجاهلها المحرضون أن المناطق الكردية في سوريا رفعت العلم السوري وأعلنت أنها جزء لا يتجزأ من الدولة السورية، والحوار قائم بين مختلف القوى حول مستقبلها. ولو كان الهدف تحقيق العدالة لوجب الحديث عن جميع الانتهاكات وليس استهداف طرف بعينه. إن الحديث عن الكرد بوصفهم “محتلين” و”دخلاء” وعدم اعتبار تركيا، أو الفصائل الممولة من قبلها وغيرها محتلة، وهو محاولة لتشويه الواقع الديمغرافي والتاريخي، ويمثل امتدادًا لأدبيات البعث التي أنكرت وجودهم ومارست سياسات الإقصاء والتمييز ضدهم لعقود. والمفارقة الصارخة هنا أن بعض من يرفعون شعارات “تحرير سوريا من الاحتلال الكردي” هم أنفسهم من دعوا إلى الاحتلال التركي لمناطق كردية مثل عفرين وسري كانيي” رأس العين”، حيث جرى تهجير الكرد من أرضهم واستقدام عائلات عربية  من مناطق أخرى، ومن بينهم: أجانب، ضمن عملية تغيير ديمغرافي ممنهج؛ هؤلاء لم يُبدوا أي اعتراض على اقتلاع أشجار الزيتون وسرقة المحاصيل أو عندما طُرد أهل الأرض من بيوتهم، ولكنهم اليوم يملؤون الدنيا صراخًا تحت شعار “تحرير المناطق المحتلة”.
نحن ضد أي طرف يلغي الآخر؛ فمن يدعو إلى طرد الكرد على أنهم غرباء-  أي ب ك ك-  وهو يغض النظر عن حكومة تتشكل فيها أبناء جنسيات من خارج المنطقة كلها.
لا يمكن قراءة هذه الحملة التحريضية بمعزل عن المخططات الأوسع لتمزيق النسيج الاجتماعي السوري، فهناك من يعمل على تحضير أدوات ديناميت الفتنة عبر خطابات مسمومة تهدف إلى تأجيج الصراع بين الكرد والعرب، بين السريان والمسلمين، وبين أبناء المدينة وأبناء الريف، في محاولة لإعادة تفجير الساحة السورية من الداخل خدمة لأجندات لا علاقة لها بمصلحة سوريا وشعبها. ومن يريد تحقيق العدالة لا يفعل ذلك عبر الشحن القومي والطائفي ولا عبر إذكاء نار الكراهية، بل من خلال دعم مسار العدالة الانتقالية الحقيقية التي تضع الجميع تحت المساءلة دون تحيز، وتعترف بالانتهاكات من جميع الأطراف وتعمل على إنصاف الضحايا لا استغلالهم وقودًا لمعارك جديدة.
إن من يروجون اليوم لرواية عنوانها “الكرد محتلون” لا يريدون كشف الحقيقة، بل يسعون إلى إعادة إنتاج الأكاذيب القديمة بأساليب جديدة؛ ورغم ملاحظاتنا على سياسات قسد، فإن تصويرها كـ”قوة كردية غازية” هو تحريف صارخ للواقع، فجميع المكونات موجودة فيها، والعرب يشكلون نسبة عالية داخلها، ومع ذلك يتم تجاهل هذه الحقيقة عمدًا. إن الأصوات المسمومة، التي تنفخ في نار الفتنة، هي ذاتها التي صمتت يوم سُلبت عفرين من أهلها، وهي ذاتها التي تسوغ اليوم استقدام مستوطنين إلى المناطق الكردية لفرض واقع جديد بقوة السلاح.
وعلينا جميعاً أن نعلم  أن سوريا لن تنهض من ركام الحرب إلا حين تدرك جميع مكوناتها أن خلاصها يكمن في التكاتف لا في الصراعات الدموية المفتعلة، وحين يفهم جميعنا أن الوطن لا يُبنى على الأكاذيب والتحريض بل على الروح الوطنية والمكاشفة الموضوعية والعدالة، ولا حصانة لقاتل: أية كانت هويته، كردية كانت، أم عربية، أم سواهما..

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد بلال يُعدّ الشعب الكوردي من أقدم شعوب الشرق الأوسط وأكثرها تمسّكًا بأرضه وخصوصيته الثقافية. وعند التأمل في الديانة الإيزيدية ومقارنتها بعادات وتقاليد الكورد، تتضح صلةٌ عميقة تدل على أن كثيرًا من الملامح الإيزيدية ما تزال حاضرة في الشخصية الكوردية، رغم اعتناق أغلبية الكورد الإسلام عبر القرون. كان الكورد معروفين بصدقهم في القول، حتى أصبح يُقال عن الكلام الحق: “كلام…

عدنان بدرالدين إذا كانت الحلقة الأولى قد بيّنت كيف تبدأ فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة» بين نقد ماركس لبراءة الديمقراطية الشكلية ودفاع آرندت عن السياسة بوصفها فعلًا لا يجوز اختزاله في الإدارة، وإذا كانت الحلقة الثانية قد أضافت، مع فيبر ونيتشه، عنصرين حاسمين هما الوعي بأن السياسة بلا ضمانات، والشك في أن الحياد لغة بريئة حقًا، فإن هذه الحلقة الثالثة تصل…

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…