خالد كمال درويش: والآن، من يستقبلنا بابتسامته الملازمة!

إبراهيم اليوسف

 

تعرفت على الصديق الراحل خالد كمال درويش عن طريق والده، الذي توطدت معرفتي به في فضاء الحزب الشيوعي السوري، خلال الزيارات واللقاءات التي كانت تجمعه بقيادة المنظمة، لاسيما عشيات أعياد النوروز، أو في المحطات التي كانوا يلتقون فيها بقيادة المنظمة التي كنت أعمل في إعلامها وتدرجت في هيئاتها. كان لقائي الأول بوالده، قبل هذا التاريخ، في احتفالية عيد النوروز للحزب الديمقراطي الكردي في سوريا – البارتي في العام 1982، التي دعيت خلالها لإلقاء الشعر. شهدت الاحتفالية، التي أقيمت بعيدًا عن أعين أجهزة النظام، حضور بعض من رحلوا: أ. إسماعيل عمر، الصديق يونس إسماعيل، الصديق اليومي بهاء سعدو، والراحل أبو خالد، إلى جانب آخرين أذكر منهم: أحمد سيد فخري – جارنا الوفي والصادق. كانت الحفل قد أقيم في منزل قريب من بيت زميلي مدرس العربية إبراهيم محمد “دوشي” في الحي الغربي. بعد إلقائي قصيدتي “رأسك جبل وأنت بلا عيد”، الواردة في مجموعتي الشعرية الأولى “للعشق للقبرات والمسافة”، والتي كانت قد نُشرت في مجلة فلسطينية، تقدم مني أحدهم وقال: القيادة تريد قصيدتك لأنها أعجبتهم.

لاحقًا، تكررت لقاءاتي بالمحامي الراحل كمال درويش، الذي استشهد مع رفيقه شيخموس يوسف (أبو سردار)، الذي كان قريبًا مني، في حادث سير أليم بعد ذهابهما إلى الحسكة للقاء أمين فرع البعث، الذي لم يستقبلهما، ليؤديا مهمتها، لتقديم مذكرة احتجاجية بخصوص الكرد السوريين الذين انسلخت عنهم الجنسية، باسم حزبيهما: البارتي واليسار، وهما قيادياه، أولهما كسكرتير وثانيهما كعضو مكتب تنفيذي، وتوفيا في طريق العودة. وربما كان ذلك باسم أحزاب الجبهة الكردية.

منذ طفولته، كان خالد وسيمًا، خجولًا، متزنًا، يحترم الآخر وذاته. وجدت فيه شخصًا حليمًا، صادقًا، وطنيًا، وإنسانيًا. تعمقت صداقتنا على نحو أكبر بعد رحيل والده في 3-11-1996، الشهر الذي توفي فيه أبي، وكان يقول:
“كلانا يتيم هذا الشهر!”

لم يمضِ عام على رحيل والده حتى تواصلت معه، وكان يفعل الأمر ذاته، سواء وأنا في الوطن أو في الإمارات أو في ألمانيا. ذات مرة سألني عن مرثيتي في الشهيدين: أبيه وأبي سردار، وقال كم أثرت فيّ آنذاك. تواصلنا هنا في ألمانيا ولم ينقطع البتة، عبر الهاتف أو الواتس، أو اللقاءات العامة التي تجمعنا. في لقائنا مع أ. محمد إسماعيل في العام 24 قال له:
“أنشطة الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في ألمانيا تدفعني أن أقطن قريبًا منهم في هذه الولاية. أنا حزين لأني لا أستطيع حضورها جميعًا.”
ثم قال غير ذلك عن دور الاتحاد، بما يتذكره من كانوا في اللقاء ذاته، وهو ما كان يقول مثله، إلى الدرجة التي قال في لقائنا الأخير:
“ما زلت أحلم أن أقطن قربكم، دون أن يذكر اسم الاتحاد.”
لقاءاتكم هنا كثيرة…

في لقائنا الأخير، كان أول من استقبل وفد الاتحاد العام للكتاب والصحفيين بابتسامته الملازمة لمحياه، الذي عزا بالزميلة الشاعرة – ديا جوان – في المجلس الذي أقيم في “دورتموند”، الذي أرسل إليّ بطاقة النعوة، كما د. نافع، فهي جدة أولاده، كما د. فهد أمين، جاري ورفيقي في الحي – في قامشلي، بالإضافة إلى صديقي خورشيد شوزي، باعتبارها رفيقة درب شقيقه وصديقي الراحل: سعيد شوزي، من دون أن أنسى الصديق د. نافع بيرو، والأصدقاء: عبد الباسط حمو، محمد سعدون، هشيار عكيد، كاميران حوج، وآخرين.

اتصلت به وبالدكتور نافع، عارضًا عليهما فكرة إقامة مجلس عزاء الشاعرة الذي صادف أول أيام شهر رمضان الفضيل، من قبل الاتحاد العام للكتاب والصحفيين. قلت: هذا يأتي بالاتفاق مع أ. خورشيد شوزي، فاعتذرا مني وقالا:
“البارتي قرر إقامة مجلس عزاء الشاعرة ديا جوان كونها عملت عضوة قيادية سابقة في الحزب والتزمت به حتى آخر لحظة.”

في اللقاء الأخير، حدثنا على عجل عن مرضه، عن حكاية بياض شعره وراثيًا، الذي استجررته للحديث فيه، بالإضافة إلى موضوع آخر افتتحت سيرته، في الحديث عن أهلنا – الكوجر – ومكونات أحد أركان مؤنتهم “المثومية”، وفريق أو ورشة جني عشبة “المثومية”، التي سيشترك فيها أ. صديق شرنخي، وعمر أبو لافا، وميران ميراني، وأرومة تسمية هذه المفردة الكردية الأصيلة. ودعناه أنا وحفيظ وخالد بهلوي، لارتباطنا بموعد آخر، ولم ينقطع تواصلنا حتى قبل أربع وعشرين ساعة من توقف قلبه الحاني عن النبض. إذ طلب مني الشاعر جان دوست أن أترجم قصيدة من قصائد ديا جوان لعدد مجلة كردستان، الذي كان من المفترض أن يكون لي، إلا أنه بسبب وفاتها، فقد كان من اللزام تخليد استذكارها، وهي المقدرة بين شعبها.

اتصل بدوره بـ “جوان”، نجل الراحلة، الذي كان قد داوم في الجامعة في أول يوم بعد انتهاء مجالس عزاء والدته، فأرسلها لي خالد أبو كمال، وأترجم أحد النصوص في إطار استذكارية الراحلة. خلال الأسبوع الأخير تواصلنا مرات عديدة، إذ عزيت أبا كمال برحيل جدة أولاده، وأرسلت إليه “بوستر” الاتحاد العام في وداع الشاعرة، ومرثيتي لها التي ذكرت اسمه فيها. وها أنا ذا – هنا – أرثي العزيز خالد، كما رثيت والده كصديق، باعتباره مناضلًا ابنًا عن أب.

بعد تقديمنا واجب العزاء، ودعنا ذوي الفقيدة: سلفها، صهريها، كريمتيها، أحفادها وحفيداتها. كانت كريمتا الراحلة ترتديان الأسود، وها هي دورة السواد تستمر براحل آخر يوم الجمعة الرمضاني الأول، اليوم الذي كان المتصوفة يخففون فيه من مصاب ذوي الراحلين.

وهكذا، كما كانت ابتسامته تسبق كلماته، رحل خالد كمال درويش، تاركًا وراءه فراغًا لا يملؤه سوى ذكراه الطيبة. في دورة الحياة والموت، تتوالى الفصول، ويبقى أثر الراحلين ينبض في القلوب التي أحبتهم. وداعًا أيها العزيز، سنذكرك بابتسامتك التي لم تفارق محياك، وسنتلو الفاتحة على روحك كلما مر طيفك في البال.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي الخلافات الحزبية، سواء كانت تنظيمية أو فكرية أو سياسية، حالة غير صحية؛ لكنها أصبحت طبيعية مع تكرارها بشكل دوري. أمّا غير الطبيعي فهو أن تنزل هذه الخلافات إلى الشارع، وتتصدر صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يصدر كل طرف بيانات يوضح فيها وجهة نظره، ويتهم بشكل غير مباشر الطرف الآخر بأنه السبب فيما وصلت إليه الخلافات. ومن الطبيعي…

كفاح محمود منذ سنوات، لا تتعرض كوردستان لاعتداءات متفرقة يمكن وضعها في خانة الحوادث الطارئة، بل لما يشبه حربًا معلنة على أمنها ومدنها واقتصادها وحق أهلها في حياة آمنة ومستقرة، ومع كل هجوم، يتكرر المشهد الرسمي نفسه: إدانة باردة، لجنة تحقيق، ثم صمت كثيف يبتلع القضية ويطمرها كأنها لم تكن. المشكلة لم تعد في الفصائل وحدها، بل في الدولة التي…

فواز عبدي كثيراً ما يدور الجدل في الساحة السياسية حول اتهام حزب ما بالعمالة أو التبعية لجهة خارجية، بينما يسارع أنصاره إلى نفي ذلك بشدة واتهام الطرف الآخر أو حتى الناقد الحيادي بالخيانة. غير أن المشكلة في هذا السجال أنه غالباً ما يبقى أسير الشعارات والانطباعات، بدل أن يستند إلى منهج يساعد المجتمع على فهم ما يجري وتقييمه بوعي. فمن…

لوند حسين* أدلت السيدة گوهَر حيدر، المتحدثة باسم الهيئة المرحلية للحركة الوطنية الكُردية (بزاڤ)، بتاريخ 4 نيسان 2026، بتصريحٍ أعقب الاجتماع السابع بعد المائة لهيئتهم، وهو تصريح يثير كثيراً من الشفقة والاستغراب، ولا يمكن التعامل معه بوصفهِ مُجرد اجتهاد سياسي عابر؛ إذ يعكُس في جوهره أزمة عميقة في فهم معنى العمل الوطني الكُردي الجامع، وحدود الشرعية السياسية، وآليات إنتاج التمثيل…