العبور نحو المجهول: PKK بين الإرث الثقيل والانبعاث

خوشناف سليمان ديبو

من جبال قنديل الى ممرات السياسة الاقليمية، لطالما شكل حزب العمال الكردستاني احد اكثر الفاعلين تعقيدا في المشهد الشرق اوسطي. لكن اليوم، في ظل التحولات الجذرية داخل الاقليم وداخل الحزب نفسه، يبدو ان ” PKK ” يقف على اعتاب مفترق تاريخي: اما عبور صامت نحو الانبعاث بصيغة جديدة، او انزلاق تدريجي نحو التفكك والغياب. فالمتغيرات الجيوسياسية، والانقسامات داخل الحركة الكردية، وتراجع الزخم الثوري، كلها مؤشرات على ان الحزب يواجه لحظة مراجعة وجودية، لا يمكن تجاهلها او تأجيلها.

حزب الع-ك، الذي طالما عرف بصلابته الايديولوجية، يبدو وكأنه يقف على اعتاب تحول كبير، يتأهب فيه للعبور نحو مرحلة جديدة لم تتضح ملامحها بعد. اذ ان تزايد عزلة الحزب السياسية، وتبدل اولويات القوى الكبرى، قد فرضا عليه اعادة حساباته في ضوء موازين قوى جديدة لا تتيح له المناورة كما في السابق. كما ان التحولات الحاصلة داخل الحركة الكردية نفسها شكلت عامل ضغط اضافي على الحزب، الذي بات مطالبا بالتكيف مع واقع لم يعد يحتمل صيغ الصراع القديمة. إذ بدأ النموذج الثوري الكلاسيكي الذي يتبناه الحزب، يفقد قدرته على الإلهام والتعبئة، خصوصا لدى جيل جديد يبحث عن نتائج ملموسة اكثر من سرديات كبرى. التحول في مواقف الحزب لم يعلن رسميا بعد، لكن ملامحه تزداد وضوحا مع الوقت.

فقد اثارت تقارير اعلامية بهذا الصدد نقاشا واسعا بشأن مستقبل القضية الكردية في كل من تركيا وسوريا، اضافة الى تداعيات محتملة على التوازنات السياسية في المنطقة. واذا ما صحت هذه الفرضية، فإن قرار الحل لا يمكن إعتباره مجرد نهاية تنظيم عسكري بقدر ما يمثل نقطة تحول تاريخية في المسار السياسي، وهو ما يستوجب قراءة تحليلية عميقة لابعاده التنظيمية والايديولوجية والاقليمية، لاسيما في ظل تعقيد الوضع الكردي وتشظيه في الاقاليم الاربعة: تركيا، العراق، سوريا، وايران.

تأسس حزب العمال الكردستاني عام 1978 بقيادة عبد الله اوجلان، ضمن مناخ ايديولوجي متأثر بالتيارات اليسارية الراديكالية في سبعينيات القرن الماضي. ومع اطلاق الكفاح المسلح عام 1984، رفع الحزب شعار ” تحرير وتوحيد كُردستان”. غير ان التطورات اللاحقة، خصوصا منذ اعتقال زعيمه عام 1999، اظهرت تحولا ملحوظا في الرؤية الايديولوجية نحو مفهوم “الامة الديمقراطية”، و”اخوة الشعوب” المرتكز على التعددية والمواطنة العابرة للحدود القومية، بديلا عن السردية القومية التقليدية. وتجلت ملامح هذا التحول في عدد من المحطات المفصلية، منها فترة مفاوضات ايمرالي (2005–2013)، التي انهارت لاحقا بعد فشل الطرفين في التوصل الى اتفاق دائم. كما ساهمت الحرب ضد تنظيم داعش، منذ عام 2014، في تعزيز حضور الحزب اقليميا عبر وحداته المسلحة في سوريا (YPG/قسد)، وفي اقليم كوردستان من خلال تثبيت قواعده في جبال قنديل.

رغم ذلك، واجه الحزب تحديات متزايدة انعكست في تراجع الدعم الشعبي والضغوط الدولية. فوفقا لتقريرٍ لمنظمة العفو الدولية “أمنستي”، فإن نحو 95% من المناطق التي تستهدفها انقرة بالقصف الجوي في المناطق الشمالية من كوردستان الجنوبية والغربية، تصنف كمناطق ذات وجود مرتبط بـ PKK، ما يبرز تأثير وجود الحزب في استدامة التوتر الاقليمي. كما يشير تقرير آخر الى ان تجدد العنف بين الجيش التركي و PKK منذ 2015 ادى الى مقتل اكثر من 6000 شخص، معظمهم من المدنيين في مختلف مناطق كُردستان.

في سوريا، لا تزال قوات “قسد”، المدعومة من التحالف الدولي، تعاني من غياب الاعتراف الدولي الرسمي، رغم سيطرتها على نحو ثلث الاراضي السورية تقريبا، ويقطنها ما يزيد على 4.5 مليون شخص، حسب تقرير للأمم المتحدة لعام 2024. هذا الارتباط العضوي بين YPG وPKK يعد من ابرز العوائق امام اي تسوية سياسية حقيقية في سوريا، كما تعتبره انقرة حجة مستمرة لتبرير تدخلاتها العسكرية.

في ايران، يبرز الجناح المرتبط بـ PKK، وهو حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)، كقوة مسلحة محدودة الانتشار. ووفقا لتقارير أمنيستي، فإن PJAK يعد احد الفاعلين الذين يواجهون تضييقا امنيا شديدا، ما يحد من قدرته على تطوير اي مشروع مدني.

كل هذه المؤشرات تدفع باتجاه تساؤلات جوهرية حول مدى واقعية تحول الحزب نحو العمل السياسي السلمي. ان قرار الحل، ان تم، قد يمثل فرصة لاعادة صياغة المطالب الكردية وفق مسارات مدنية، بشرط ان ترافقه ارادة سياسية من الاطراف كافة. تشير بيانات لأحد مراكز الدراسات التركية في عام 2022 الى ان اكثر من 60% من المواطنين الكرد في تركيا يفضلون حلا سياسيا للقضية الكردية، على ان يكون جزءا من اصلاح ديمقراطي شامل.

لكن التحديات تبقى كبيرة. لا يزال تصنيف الحزب “كمنظمة ارهابية” من قبل تركيا والاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة يشكل عقبة امام تحوله السياسي، بينما تفتقر الحركة الكردية عامة الى رؤية موحدة واستراتيجية واضحة للمرحلة القادمة.

من هنا، يمكن القول ان حل حزب العمال لا يمثل نهاية للقضية الكردية، بل يشكل بداية لمرحلة جديدة، اكثر تعقيدا لكنها ايضا اكثر انفتاحا على فرص الحلول السياسية.

لتحقيق ذلك، من الضروري ان تتبنى القوى الكردية خطابا موحدا يعتمد على الادوات السلمية، وان تبادر الحكومات المركزية بفتح حوارات شاملة تضمن الاعتراف بالحقوق السياسية والثقافية. كما ان على المجتمع الدولي ان يتحمل مسؤوليته الاخلاقية والسياسية، من خلال دعم الحكم اللامركزي، ورفع التصنيفات الارهابية المشروطة بنزع السلاح وتبني العمل المدني، وتفعيل آليات لحماية المجتمعات المحلية من النزاعات العابرة للحدود.

ان المسألة الكردية، التي تجاوزت حدود السلاح والنار، تستحق اليوم مقاربة عقلانية وانسانية تؤسس لسلام طويل الامد. فالحل لا يكمن في نهاية حزب، بل في بداية عهد سياسي جديد يعترف بحقوق الشعب الكُردي ويصون كرامته. نحن، على الارجح، امام لحظة انتقالية دقيقة، تتطلب من الحزب مراجعة عميقة لهويته ووظائفه. فاما ان يكون العبور نحو المجهول بداية لتكيف تاريخي جديد، يخرج الحزب من مأزقه البنيوي، او ان يتحول الى لحظة تيه اضافية تعمق ازمته وتسرع تآكل شرعيته.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

آخين ولات ليست مسألة انتماء الكرد إلى الدول التي يعيشون فيها قضية يمكن اختزالها في اتهاماتٍ جاهزة أو أحكامٍ مسبقة عن “الولاء” و”الاندماج”. إنها، في جوهرها، مرآةٌ تكشف طبيعة العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وحدود قدرتها على استيعاب التعدد داخل إطارٍ وطنيٍ جامع. فعلى مدى قرنٍ تقريباً، نشأت في المنطقة دولٌ حديثةٌ رفعت شعارات الوحدة والسيادة، لكنها تعاملت مع التنوع القومي…

عنايت ديكو هناك خيط واحد يربط بين كلّ ما يجري على الأرض السورية معاً: تُعتبر القضية الكوردية، والخوف المزمن للسلطة من الكورد، لغةً وهويةً ووجوداً وتاريخاً، من أصعب التحديات والعوائق التي تواجهها الحكومة العربية السورية منذ تسلّمها الحكمدارية في دمشق وحتى هذه اللحظة. فالقضية الكوردية وتشعّباتها، لها تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على شرعية الحكم في سوريا. اليوم، وبعد الاستسلام العسكري…

خالد حسو القضية الكوردية ليست قضية حزب أو تيار أو رؤية سياسية محددة، بل هي قضية شعب يمتلك تاريخاً وهويةً وحقوقاً مشروعة سعى للحفاظ عليها عبر عقود طويلة من التحديات والمعاناة. ومن هنا، فإن اختزال هذه القضية الواسعة ضمن إطار ضيق أو ربطها برأي واحد فقط، لا يخدم جوهرها الحقيقي ولا يعكس تنوع المجتمع الكوردي وغناه الفكري والسياسي. الاختلاف في…

زاهد العلواني ماموستا صلاح بدرالدين لسان حاله يقول: الشعب الكردي يريد قيادة شرعية لا أوصياء أحزاب. وكلامه هذه يعبّر عن وجع شريحة واسعة من أبناء الشعب الكردي السوري الذين تعبوا من دوامة الشعارات الفارغة، والانقسامات الحزبية والعدد تجاوز “38” والوعود التي استُهلكت منذ سنوات دون أي نتيجة حقيقية على الأرض. لقد تحولت بعض القيادات الحزبية إلى مراكز نفوذ مغلقة، همّها…