لكنه نفى ما تردد حول انسحاب عاجل لقواته من العراق، ورفض رفضا قاطعا خيار تقسيم البلاد إلى ثلاث مناطق.
فكما هو معروف، لقد تمكن هذا التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية, ووفقا لقدراته المعنوية والمادية الجدية والتكنولوجية القوية, منذ حوالي ثلاث سنوات ونصف من تحرير العراق من السلطة البعثية الهمجية السابقة خلال ثلاثة أسابيع، وبعدد محدود جدا من الضحايا, وحتى دون الحاجة للمعارضة العراقية المتنوعة السابقة, الأمر الذي أدخل البهجة والسعادة في نفوس الملايين من البشر, علما ان المعارضة العراقية المتنوعة قبل التحرير كانت تكافح وبمختلف السبل منذ عقود عديدة، و تقدم ضحايا بشرية واقتصادية كثيرة جدا, ولم تكن تتمكن من تغيير واسقاط تلك السلطة الهمجية السابقة.
طبعا في تلك الحالات, أي بعد أن يفتح التحالف ويحرر دولة ما، من المهم جدا أن تتعاون القوى السياسية والاجتماعية ذات المصلحة الحقيقية بذلك التحرير هناك بشكل جدي وصادق وعلمي دقيق وبكافة السبل المشروعة مع قوات ذلك التحالف الغريبة عن المجتمع والجغرافية في تلك الدولة، وخصوصا بوجود قدرات التحالف العسكرية والأمنية التكنولوجية الاقتصادية القوية المهيئة لتلك القوى, وباعتبار أن تلك القوى المحلية تعلم جيدا ظروف مجتمعها الديموغرافية واللغوية والعرقية والطائفية والحدودية، ولدى قيامها بالتعاون الفعلي مع قوات التحالف, ورغم محاولات السلطات الشريرة تلك, سوف تنجح عملية الكونترول والتحكم بالأوضاع وبالتالي سيتم كشف تحركات المجموعات الارهابية وعرقلة نشاطاتها في القرى والمدن ومسارات الحدود المجاورة, طبعا وهذا ما كان يتوقعه التحالف، ويتوقعه حتى تلك السلطات المجاورة والمجموعات الشريرة الارهابية أيضا.
غير أن الذي حصل بعد التحرير في العراق، هو أن القيادات الكوردستانية والشيعية والسنية المعتدلة الرئيسية شكرت ورحبت بالتحرير، وتعاونت فقط بشكل جزئي أوسمانلي خجول وضعيف مع قوات التحالف، الأمر الذي شجع تلك السلطات المجاورة والمجموعات الارهابية باستغلال تلك النواقص، وبالتالي زيادة نشاطاتها وارتكاب العديد من الأعمال الارهابية من تدمير البنى التحتية وقتل العديد من عناصر التحالف والعراقيين يوميا في مختلف مناطق العراق، ولو نسبيا أقل في بعض المناطق الكوردستانية والشيعية.
هذه المتاعب والمصاعب الكبيرة المتصاعدة كلفت التحالف آلاف القتلى والجرحى ومليارات من الدولارات، بالاضافة الى عشرات الآف من القتلى والجرحى العراقيين، ودون أن يتحقق الاستقرار المطلوب أيضا.
مما أدى بالتحالف أن يرجئ مشاريعه الخيرة الخاصة بتحرير شعوب ودول أخرى من السلطات الدكتاتورية الشوفينية الداعمة للارهاب في الشرق الأوسط، وربما سيغير استراتيجيته حتى في العراق أيضا، اذا ما استمرت تلك العمليات الارهابية اليومية، وذلك ليرضي بها السلطات الغاصبة الداعمة لتلك العمليات الارهابية هناك, وبالتالي سيؤثر ذلك بالتأكيد سلبا قبل كل شي على الحقوق الاستراتيجية الكوردية في العراق وحتى في الأجزاء الأخرى أيضا.
طبعا يمكن القول هنا بأن الشيعة والسنة المعتدلين وبعد أن تخلصوا من السلطة السابقة، ربما لم يعد لهم مهما، أن ينجح المشروع الأمريكي ـ الأوروبي في العراق والمنطقة، بل ربما يودون افشاله أيضا، كما ان العدديد من تياراتهم تنسق وترتبط طائفيا وقوميا مع السلطات المجاورة, ولديهم على كل الأحوال كيانهم ودولتهم، وبالتالي لم يهتموا ولا يهتمون بضرورة التعاون الجدي مع التحالف.
بمعنى أن الشعب الكوردي المهدد والذي لم يحصل بعد حتى على الحد الأدنى من حقوقه الاستراتيجية وضم مناطقه العديدة في كوردستان العراق وفق ضمان رسمي محلي ودولي، هو الذي سيدفع الضريبة الأساسية في حال حدوث أي تغيير اضطراري مرتقب في خطة التحالف.
علما أنه رغم معرفة التحالف بقصور القيادات الكوردستانية والشيعية في التعاون الجدي الدقيق، لا يزال يشيد بأولئك المسؤولين، لأنه ان أزعجهم على ذلك القصور، هناك مخاوف أن يصبحوا أيضا ضده، وبالتالي سوف يفشل التحالف في العراق بشكل نهائي.
كما أنه، رغم عدم اهتمام الشيعة والسنة بالتعاون الفعلي مع التحالف كما ذكر، فكان وسيكون بمقدور الكورد أن يزيلوا الكثير من العقبات أمام التحالف وذلك بعرقلة حركة المجموعات الارهابية، وذلك اذا ما قامت وستقوم به القيادات الكوردستانية بتنظيم واعداد رفاقهم وأنصارهم, وبالتعاون مع قوات الحلفاء, بالعمل الجاد على المراقبة والبحث في كافة مناطق العراق، وخصوصا بوجود كافة المستلزمات التقنية والاقتصاديةالأمريكيةـ الأوربية المهيئة هناك، لكشف الارهابيين المتسللين والداخليين، وكشف ملاذهم ومناصريهم.
أي كان ويكون لزاما على المسؤولين الكوردستانيين في هذا الظرف المهيء, ظرف تحرير التحالف للعراق, أن يهيئوا لمناصريهم وللكورد الوطنيين بشكل عام هناك, بأن يبادروا بالعمل المتنوع الدؤوب أكثر بكثير من العمل السياسي والمسلح الذي كانوا يقومون به في العقود الصعبة السابقة والتي كانت غير مهيئة.
حيث ان استشهاد أو جرح كوردي في هذا الظرف الذهبي وخصوصا في اطار التعاون مع التحالف، سيحقق الكثير من آمال الشعب الكوردي المشروعة.
بينما كان نفس هؤلاء المسؤولين السياسيين والعسكريين الكورد بالاضافة الى مسؤولي PKK يحرضون الكورد على القيام بالعمل المسلح الغير مكافئ بتاتا في ظروف الحرب الباردة السوداء والغير مهيئة، أي دون الاكتفاء بالقيام بالعمل السياسي فقط والذي كان هو الأنسب لتلك الظروف الصعبة, ودون التخطيط مع القوى الدولية المهمة، بسبب طبيعة الصراع الحاد آتذاك بين المعسكرين الشرقي والغربي، بل كان أولئك المسؤولين الكورد يعتمدون في العمل المسلح والسياسي معا على السلطات الغاصبة الأربعة لكوردستان، على أساس تناقضاتها المزعومة، وكان ذلك العمل القتالي يشكل حجة قانونية مزعومة كبيرة أخرى لدى تلك السلطات، بأن تشن حملات عسكرية رهيبة على الكورد والمناطق الكوردستانية الآمنة، لتدمر وتبيد وتشرد ولتغير المعالم الديموغرافية الكورستانية ولتحرم الكورد من الاستقرار ومن التطور الاقتصادي والاجتماعي والعلمي، وحتى دون تحقيق شيء مهم يذكر في تلك الأجزاء، بل أن ذلك كان يؤثر سلبا حتى على الشعب الكوري في سوريا أيضا، عندما كانت السلطات الشوفينية هناك تتحجج بما كان يجري من قتال في الأجزاء الأخرى، لتطبق مشاريع عنصرية والاستيطان العربي هناك, رغم اتباع الحركة الوطنية الكوردية في سوريا العمل السياسي فقط.
وهنا يمكن أن يقال بأن الفيتناميين، الفلسطينيين، الجزائريين كانوا يستخدمون العمل المسلح أيضا في تلك الظروف الصعبة، وكانوا يقدمون ضحايا كثيرة من أجل الحرية، علما ان السوفييت السابق ومعه الصين كانا يدعمان الفيتناميين ماديا ومعنويا، وهكذا كانا يدعمان الجزائريين والفلسطيين، اضافة الى دعم أغلب الدول العربية والاسلامية لهم, ثم ان السوفييت والصين والسلطات العربية والاسلامية كانت غير غاصبة للمناطق الفيتنامية أو الجزائرية، أوالفلسطينية، بينما كانت السلطات الغاصبة لكوردستان نفسها تقدم بعض السلاح الخفيف والمساعدات اللوجستية الهشة لأولئك المسؤولين والحركات الكوردستانية المذكورة، كي تستخدم ذلك العمل المسلح المزعوم, ولتلعب تلك السلطات وتمثل فيما بينها لتضر وتزيل القضية الكوردستانية بشكل أكثر، حيث كانت تعلم جيدا آنذاك، بأنه مهما كافح الكورد سياسيا أو مسلحا في غياب الاهتمام الدولي بذلك، لايمكن أن يحقق الكورد شيئا مهما.
فلو امتد ظرف حرب الباردة السابقة مدة عشر سنوات أخرى، ربما كانت تغيرت المعالم الديموغرافية الكوردستانية هناك سلبا بشكيل كبير جدا.
ولكن يبدو حتى الآن، رغم تحرير التحالف للعراق، بأن بعض المسؤولين السياسيين الكورد الأساسيين هناك، لم يبدوا جدارة الكورد في حماية مصالحهم ومصالح الغرب أيضا، كما يعتبر الغرب الكورد تحت اختبار، عما اذا كان الكورد جديرين وقادرين لمساعدة تطبيق الاستراتيجية الغربية الديموكراتية في الشرق الأوسط كجدارة اليونانيين والأرمن وغيرهم هناك أم غير ذلك !






