ويستمر سقوط الفراعنة

د.

علاء الدين جنكو

منذ أن وعيت تعرفت على اسم فرعون من خلال الآيات التي كنت أحفظها وأنا في كنف والدي، وتوضحت لي معالم هذه الشخصية أكثر عندما قرأت يومها القصص التي كانت تلائم مستواي، فعلمت بأن فرعون شخصية استهوت إيذاء من تحت يده من البشر، وعندما وقف نبي الله موسى عليه السلام ليعلن ثورته الإيمانية ضد تصرفات فرعون ومعتقده الفاسد زاد فرعون في طغيانه وتماديه متحدياً ليس موسى لأن فرعون كان يراه أقل من أن يتحداه وإنما تجاوز إلى تحدي رب العالمين !!
وتدور الأيام بل مئات السنين والقرون ليستمر مسلسل نشوء الفراعنة حتى لما كبرت نسيت نهاية فرعون ربما لأني تربيت على شعار (إلى الأبد إلى الأبد) !!
على أن الله سبحانه و تعالى قدر لي أن أرى بأم عيني سقوط الفراعنة وأكحلها بزوال طواغيت لا أشك بأنها أسوأ من فرعون موسى .
بكل صراحة لم أكن أتوقع زوال زين العابدين بن علي بهذه السرعة المذهلة لما علمت أنه كان يملك أقوى مؤسسة أمنية عربية حتى أنه بعيد استلامه للحكم كان قد تعاقد مع كبريات الشركات الأمنية لحمايته، وعلى مدار سنين حكمه لتونس بالنار والحديد ظهر بأن سلطانه أوهن من بيت العنكبوت .
ففر في جنح ظلام دامس لما استيقظ الشعب التونسي من غفوته وقال بأعلى صوته : الشعب يريد إسقاط الفرعون !
ولم أكن أتصور يوما بأن فرعون مصر حسني لا مبارك سينهار بطريقة دراماتيكية عشت لحظاتها أول بأول، لما كنت أعلم بتأييد جميع أنظمة العالم له، لا سيما السلطات الإسرائيلية والأمريكية وأغلب الحكومات الأوروبية ، لكنه سقط لما هب الشعب المصري في وجهه كفيضان النيل لحظة هيجانه ليقولوا له : الشعب يريد إسقاط الفرعون ..
فسقط هو الآخر ليظهر بأن حكمه كان أوهن من بيت العنكبوت ..


أما ثالث الفراعنة … القذافي الذي استخف بعقل الشعب الليبي على مدار أربعين عاماً، وكان يرى نفسه فوق كل الطواغيت والفراعنة، وأنه الشخصية التي لا مثيل لها واصفاً شعبه بالجرذان هوى سلطانه عندما وقف شعب ليبيا الصامد الثائر في وجهه مصراً على إسقاطه، ودخل الثوار طرابلس فاتحين وباب العزيزية محررين وبيت القذافي الذي أصبح كالجرذان مختبئاً عن أنظار العالم ليتبين للجميع أن قبضته الحديدية وحكمه كان أيضاً أوهن من بيت العنكبوت !!
ويستمر سقوط الفراعنة، واليوم الشعب العربي الثائر من غربه لشرقه ومن شماله لجنوبه يسطر أقوى ملاحم إسقاط الفراعنة .
فهل يعتبر مَن تبقى مِن الفراعنة من سقوط من سبقهم ويستدركون ما تبقى لهم من كرامة إن كانت لهم كرامة ؟ ويدركوا ألا أحد بمقدوره ان يتحدى رب العالمين ؟
أم لا يرضون إلا أن تداس رؤوسهم بأقدام شعوبهم بعد أن هبت في وجوههم ؟؟
ليس الغبي الذي يحفظ الدرس بتكرار قراءته أكثر من مرة وإنما الغبي الذي لا يتمكن من النطق بعبارة تكررت أمامه مرات ومرات وهاهي العبارة تتكرر والمشهد يستمر.
 فهل يفيد كل ذلك ؟
وهل سيستمرون فيما كان يقوله فرعون كما في قوله تعالى: (وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري) ..[ القصص: 38 ]..

أم ينتظرون ليصبح سقوطهم أخباراً عاجلة على شاشات التلفزة يتلذذ بها شعوب الدنيا التواقة للحرية والكرامة ..

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…