أردوغان و الأسد: تفويضٌ بالقتـل

حسين جلبي

برهن رئيس الوزراء التركي أردوغان عن كرمٍ غير محدود، فقد أهدى حليفه بشار الأسد علاوة على شلالات الدم التي لم تروي ظمأ الأخير أو تشفي غليله، أهداه دماء بضع مئاتٍ و ربما أكثر من السوريين الذين سوف يسقطون لا محالة على مدى إسبوعين قادمين هما الوعاء الزمني للمنحة الأردوغانية الأخيرة.

و قد جاء التجديد للأسد مثل كل مرة إعتباطياً دون أية حسابات، و كأن أردوغان يقدم الدم السوري من حُرِ ماله زكاة لحليفه، علَّ هذا يتمكن خلال الأسبوعين القابلين للتجديد من شفاء أردوغان و من وراءه العالم من الصداع الذي سببه صوت السوريين المنادين بالحرية و الكرامة.
و الحال أن أردوغان قد تنطع هكذا من تلقاء ذاته، دون طلبٍ من الشعب السوري أو تفويضٍ منه، فحشر نفسه في الشأن السوري، و جعل نفسه وصياً عليه، يتخذ القرارات و يمنح المُهل و يغني مواويل الصبر، متخذاً خطاً بيانياً يصعد و يهبط وفق لمقتضيات المصلحة، مصلحته طبعاً، فقد قام بدايةً برفع صوته لدواعٍ إنتخابية، إذ لم تكن شوارع المدن التركية لتخلو يومياً من مظاهرات أنصاره ضد النظام السوري أو من معارض لصور ضحاياه، فإستولى على عواطف البسطاء و أصواتهم، ثم ما لبث عندما عقد له النصر الإنتخابي أن أزال تلك الديكورات الإنتخابية، فخفُت صوته، لا بل تلاشى في منعطفاتٍ إستلزمت الحزم، فإرسلت هذه الموجات المتناقضة رسائل إحباط و تشاؤم إلى الثورة السورية، لتعود الجعجعة أخيراً عندما إزداد التفاعل الدولي مع قضية الشعب السوري، مع إحساس السيد أردوغان بالمشروع السوري الذي إستثمر فيه حتى الآن بشكلٍ جيد، و هو يكاد يتسرب من بين يديه، و بالتالي يكاد يفقد أسهمه فيه.
الحكومة التركية تلعب إذاً، و أحياناً في توقيتٍ واحد، على حبلي النظام و الشعب معاً حسب معدل الفائدة المنتظرة من كلا الطرفين، فهي تمسك العصا من المنتصف دون إعتبارٍ لقيم الأخلاق و الجيرة التي تتغنى بها ليل نهار، ففي ذات المؤتمر الصحفي للمسؤول التركي و ربما في عبارةٍ واحدة، يجد المرء إجتماع كل المتناقضات، و ذلك من خلال التلاعب بالألفاظ الحمالةً لكل الأوجه، فيجد المرء إيماناً برواية النظام السقيمة عن العصابات المسلحة و تكذيباً لها في الوقت ذاته، ثقةٍ بإدعاءاته في الإصلاح و شكاً بها أيضاً، و إلا ما معنى القول بأن النظام يوجه سلاحه نحو شعبه و في الوقت ذاته يتم منحه مدة إسبوعين لتنفيذ إصلاحاته.
ليس المطلوب من أردوغان الشئ الكثير لأنه ليس لديه الكثير ليقدمه سوى الكلام، و قد بلغ مشروعه الكلامي مداه و إنكشف ما وراءه: إستغلال كل بقع الضوء في المنطقة لتسليطها على شخصه و حزبه و حكومته و دولته من أجل مكاسب مادية حتى لو كان الثمن دماء الأبرياء، و قد جاء الإعلان عن رغبته في زيارة غزة في فترةً مضت ضمن هذا التوجه.

ماذا بعد أسبوعي أردوغان؟ الجواب لا شئ طبعاً، إلا إذا كانت دول العالم المصابة بالشلل قد تقدمت في مواقفها و أعطت الأتراك حصتهم من الكلام ليشبعوا به أنفسهم لطماً إستدراراً لمزيدٍ من العواطف.

المطلوب من الأتراك اليوم الكف عن وضع العصي في عجلات الثورة السورية حتى تتمكن من متابعة سيرها الطبيعي فيقوم العالم بواجباته الإنسانية نحوها، المطلوب من أردوغان أن يقل خيراً أو يسكت، بدلاً من دبلجة المسلسل السوري السقيم عن العصابات المسلحة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…