بين جمعتين: جامعة وجامع ودماء..

“واحمصاه…!
 وابوكمالاه..!
 واديرزوراه….!”
مقطع من أغنية أم كردية
إلى نهري العاصي والفرات الخالدين

إبراهيم اليوسف

يكاد الشهر الخامس، من عمر الثورة السورية يجرُّ أذياله،موشكاً أن يلتقط جمعتيه الأخيرتين،من سبحة الوقت، مجلياً، عن مشهد من التناقضات الكبرى، قبيل تصحيح الصورة، كما يشاء الرسام، أمام اللوحة، والألوان، والرِّيشة، حيث: الثَّورة تتسع، تتسع، يوماً بعد آخر، رقعة وثواراً، يشترك في أوَّار، أوأتون، يوقده، ويقوده الشباب السوري، الشيوخ والنساء والأطفال، جنباً إلى جنب مع “ديناموها”الشباب، أنفسهم، لتكون بذلك أولى ثورة من نوعها، وهي تطهِّر كل تراب الوطن، من رجس الاستبداد، المعمِّر، بالعزيمة، والرُّوح العالية، وكلمة” لا” المدويَّة في ستِّ جهات المعمورة.
كما أن النظام،  المتآكل، الآيل إلى النهاية، المحتومة،لا ريب، قد برهن للعالم كله،عدم كفايته، ليكون في مستوى إدارة”حانة أو حانوت”، فحسب، وليس قياد بلدِ حضاريِّ، كسوريا، متعدِّد الأعراق، لكنه موحّد الرؤى، والأهداف،في حضرة الجلادين، وكانت مرجعيته الفكرية- وهوالذي شنف الآذان بتطبيقاته النظرية، ومدرسته، الخلبية، وأهدافه “الخالدة”- في مواجهة مطلب الشعب السوري، من “عين ديوار” و”قامشلي” ومروراً ب”دير الزور” و”حماة” و”حمص”، وانتهاء بريف “دمشق” و”درعا” مهد الحبر النوراني، و”الصنمين”،بالرصاص، وفق-الوصفة- البائسة، من دون أن يعلم أن كل رصاصة موجهة إلى صدر المواطن، إنما لتنال من هيبته، ومستقبله،هوَ، وهوَ الحريص على بناء عمارة مستقبل، هشِّ، هشاشة كرسيِّ، هاوِ، يريده هاودم وعرش،ومجد زائف،على امتداد خريطة، من ثروة، في عربة ثورة..!
لم يوفِّر النظام البائس أي محرَّم، إلا وأتبعه، هاجسه الحفاظ على كرسيه، المنفلت، المنزلق، من تحت أُمرته، عن بكرة قوائمه، وإن لاحقه، لاهثاً، ليكلفه ذلك، بيع الوطن في البازار الدولي، ومزادات لصوص الخرائط، والشعوب، حتى وإن خلت هذه الخريطة من ملايين بنيها الأربعة والعشرين، مادام أن هناك فرق لصوص، ورقص، ومخابرات، وشبيحة، وهتّافين، بالمجد الملفق، الزائل، يصفقون للثياب الحريرية، لا ترى، يلبسها الإمبراطور المغرور، كما في مسرحية إبسن، الشهيرة، ليفضح هيبته وزيف الجموع، وأخدوعة جوقة الخياطين، المخادعين، مجرَّدُ طفل جريء، يرفع صوته عالياً: امبراطورنا عار…!.
إنها مأثرةُ طفل إبسن، في مسرحيته الخالدة، وإن كان الإمبراطور،سيثأر لهيبته المنكسرة، بحبر، ورذاذ صوت أطفال درعا، كي ينتقم من الأطفال،على نحو مخز، يستدرج لعاب رشاشاته، حمزات كثيرين، بأسماء أخرى، في معجم الفسيفساء، لن يرهبهم قلع الأظافر، وبتر الأعضاء الذُّكورية.
المسرحية السورية واحدة، أسماء الأمكنة هي التي تتغير،إنها مجرد عروض بهلوانية، لنص واحد، ومؤلف واحد، ومخرج واحد، وإن تعدد الممثلون، والطبَّالون، والزَّمَّارون، وعاملو الإضاءة، والإكسسوار، والديكور، والموسيقا الحية، لننتقل بين جمال الأمكنة ب”درعا” وبناتها، ومروراً بالمدينتين،حمص، وحماة،عينهما،في عاصيهما المجيد، وفرات موزع إلى ديرِ وبوكمال، وبطاقات الدعوة موزَّعة في الأمكنة المنتظرة، أنَّى قالت:لا….!
لا، المتصادية نفسها
لا، المرأة تمضي إلى حكاية زوجها للوليد في غد قريب
لا، العاشقة تحتفظ بالكنزة، الصوفية، غزلت خيوطها من الحلم، لفتى لن يجيء..البتة…..!
لا، الجندي، حبيسة في صدره الكظيم
لا،الشيخ الطاعن في الحكمة
لا، التاجر مسروقاً
لا، العامل تتناثر على رصيف المدينة
لا، المصلي في ديرأو جامع
لا، الطالب الجامعي، يكتبها على ورقة الإجابة..

وينصرف إلى الاحتجاج
لا، الشاعرتسبق صوته…….وخطواته..!.
لااااااااااا..
…………………………………..
-مداهمات،رصاص، دبابات، مدرعات، طائرات، شبيحة،جنود،رصاص روسي،من إنتاج العام1973، جثث في الشوارع، جثث في الثلاجات..، جثث في الجوامع،جثث في الحديقة العامة، تتوسل إليها الأشجار والزهور، وروزنامة الغد الآتي، لا محالة…!
غدٌ في مواجهة ظهيرة قائظة
غدٌ مجيدٌ في مواجهة عواصفَ هوجاءَ
غدٌ أبيضُ في مواجهة سخام في آخرِ سواده
غدٌ طاهرٌ في عرباته المترقبة فوق صلابة حديد سكتها
وسكتة الدكتاتورالطاعن في الرتب والدم…!
 ثم متاريس
وصرخات
أطفال جوعى يطلبون الحليب
صرخات شيوخ انقطعت عنهم الأدوية
صرخات شيوخ انقطعت عنهم الأدوية
وهواء الرئتين
    صرخات أمهات يقلن:لا،على طريقتهن، وهن يخلعن عن أجساد أبنائهن قمصان الدم،ويرمينهم بالقبلات الأخيرة..

والهلاهل……….
-هكذا في المدن سكر أسمائها:
دير الزوروأعوام1980-1984
حمص عام1988-1990
حماة1993
والختام هناك..!
الختام هنا..!
الختام في الخافق… عينه في طية الخفقات
الأسماء التي تنهض من الحبر
رائحة الأغنيات في بستان الذاكرة
الجريدة التي لاتقرأ أوراقها الصفراء حمرة الدم
الفضائية التي تسهو عينُ مصورها عن الأنين في دورة النشيد
هي ذي سوريا..
سوريانا….أولاء….!
يصنع معجزتها ابنها الحقيق
عربياً وكردياً أوشاشانياً أو أرمينياً
مسلماً أو مسيحياً أو إيزيدياً
جمهورية وعلماً يحضنان أسماء وأحلام كل هؤلاء
جندياً لا يقبل أن تمرَّغ قبعته في طين من جبلَّة تراب ودم
هي ذي سوريا..
سورياكم نفسها…
وهي تفتح السؤال على مصراعي الألق والانتظار.
1-8-2011
أو عيد الجيش السوري في خساراته الهائلة
“حيث كتابة تالية”

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

بنكين محمد في كل عام، ومع أول خيطٍ من نور الربيع، يولد عيدٌ لا يشبه الأعياد… عيدٌ لا يُحتفل به فقط، بل يُستعاد فيه التاريخ وتُبعث فيه الذاكرة. إنه عيد النوروز؛ الحكاية التي عبرت آلاف السنين، وما تزال حتى اليوم تتوهّج كالشعلة في قلوب الشعوب. يرتبط نوروز ببداية السنة الجديدة وفق التقويم الكردي، ويوافق لحظة الاعتدال الربيعي، حين تتساوى…

حوران حم لم يعد المشهد الكردي في سوريا مجرد ساحة اختلافات سياسية بين أحزاب متعددة، بل تحوّل إلى حالة من التيه الجماعي، حيث تراجعت القضية الكبرى إلى خلفية المشهد، وتقدّمت المشاريع الجزئية، والاصطفافات الضيقة، لتحتل مكانها. وفي لحظة تاريخية مفصلية، أعقبت سقوط النظام الذي شكّل لعقود إطار الصراع، بدا واضحًا أن الحركة الكردية لم تكن مستعدة لملء الفراغ، لا برؤية…

خالد حسو ليست مشكلتنا إقامة علاقات مع هذا الطرف أو ذاك، فالأبواب السياسية والدبلوماسية مفتوحة لمن يملك الرؤية والإرادة. التحدي الحقيقي يكمن في غياب مرجعية وطنية جامعة تعبّر بصدق عن تطلعات شعبنا، وتوحد الصفوف، وتحدد الأولويات، وترسم الطريق نحو المستقبل . لذلك، أصبح من الضروري عقد مؤتمر كوردي شامل يضم الأكاديميين من مختلف الاختصاصات، وبالأخص الحقوقيين والمؤرخين والمفكرين، إلى جانب…

عدنان بدرالدين في خضم التطورات الأخيرة التي شهدت انتقالًا سريعًا من التصعيد إلى التوافق بين بغداد وأربيل حول استئناف تصدير النفط، يتضح أن القضية لم تكن يومًا مجرد خلاف تقني حول أنبوب أو مسار، بل تعبير عن سؤال أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة بين المركز والإقليم، وحدود ما يمكن أن يُدار بشكل مركزي، وما يُفترض أن يُدار في إطار الشراكة. في…