ثقافة اللون الواحد

سليمان علي  *

كتب الإعلامي فيصل القاسم تحت عنوان (الوحدة الوطنية خط أحمر) مقالا نشر بتاريخ 2011.07.24 في جريدة الشرق القطرية يعقب فيها بغضب على الإنسحاب المشكور عليه من قبل الشخصيات الكوردية التي حضرت مؤتمر إستانبول للمعارضة السورية، ذلك الذي عقد قبل أيام تحت وصاية الإخوان المسلمين السوريين والدولة التركية، الذين أصروا كما في أنطاليا قبلها على تجاهل وإستبعاد مقصود للحركة الوطنية الكوردية الفاعلة في الداخل والتي تناضل داخل سوريا وخارجها منذ أكثر من نصف قرن من أجل الديمقراطية لسوريا والحقوق القومية الكوردية في إطار سوريا موحدة تعددية ديمقراطية.
صدمت لدى قراءة المقال المذكور ليس بسبب موقف الكاتب السلبي تجاه الكورد وقضيتهم في كوردستان سوريا وكوردستان العراق التي لا يرى في الحقوق التي نالوها بعد عشرات السنين من النضال ضد الدكتاتوريات العراقية المتعاقبة والضحايا التي لا تحصى، إلا نتاجا لسياسة وتدخلات أمريكا.

ما أدهشني أكثر هو طريقته العجيبة الغريبة وغير الموفقة أبدا في قلب الحقائق وخلط الأوراق للدفاع عن فكره الأحادي الجانب واللون الذي يدعوا إلى ضرورة بقاء سوريا دولة عربية بالإسم والمضمون.


يورد الأستاذ القاسم في مقاله أمثلة من أوروبا محاولا زرع أفكار وإستنتاجات من أحداث وووقائع أوروبية في عقول قرائه مما لا وجود لها إلا في عقول مثقفي اللون الواحد المتأثرين بوعي أو بدونه بأيديولوجية الهراء البعثي والناصري الفارغ عن الأمة المختارة الواحدة، التي تعيش في الوطن الواحد من المحيط إلى الخليج والتي يحق لها أن تبتلع في جوفها أوطانا وأمما وشعوبا وبلدانا لم تكن يوما عربية.
يمكن لدى قراءة ما كتبه الإعلامي المعروف عن أوروبا ودفاعها عن الوحدة الوطنية بالحديد والنار أن يبادر إلى ذهن هذا القارئ أو ذاك لأول وهلة وجه شبه رهيب وغير متوقع بين الحكومات الأوروبية وبين الحكومة السورية أو العراقية السابقة.

من المعروف أن أوروبا وغربها تحديدا هي عدو اللون الواحد والثقافة الأحادية الجانب وهي عالميا مركز التطبيق الفعلي لسياسات التعددية الثقافية والإثنية والعرقية والدينية ووو، حيث لكل ولاية أو كانتون ولكل مدينة وقرية، بل ولكل جمعية وناد رياضي علم خاص يتم رفعهدون خوف إلى جانب العلم الخاص بالدولةوعلم الإتحاد الأوروبي، بينما تسعى ثقافة اللون الواحد إلى إلغاء جميع مظاهر وجود قوميات وأمم ضمت الدول الإستعمارية أراضيها إلى حدود الدول المصطنعة التي أوجدتها ومنها الدول العربية قبل أقل من قرن واحد، كما هو الحال مع جنوب السودان و جزئي كوردستان الملحقين بالعراق وسوريا.


تفقد وزيرة في بريطانيا منصبها خلال ساعات لإستخفافها ب وسخريتها من الجالية الباكستانية المهاجرة إلى بريطانيا، فيستنتج السيد فيصل القاسم من ذلك أن على جميع السوريين على إختلاف مللهم وأعراقهم أن يكونوا عربا سوريين وإلا فإنهم إنفصاليين لهم الويل وكل الويل.

ولا يرى الكاتب ضيرا في إنكار وجود الشعب الكوردي في سوريا المقيم على أرضه التاريخية كقومية ثانية ولا في إنكار وجود الاقليات القومية الأخرى في سوريا، التي لا بد حسب رايه أن تبقى عربية فقط.
ويوقع الأستاذ القاسم نفسه في مغالطات غير مبررة عنما يقول (ولافرق بين أقلية وأكثرية من حيث التعرض للقمع والاضطهاد).وهو يتناسى بذلك أن للإضطهاد أنواع ومراحل، حيث أن الدرعاوي أوالديري أو الحلبي المسكين البائس المضطهد يستطيع بالرغم من ذلك أن يتكلم في سوريا بلغته وله مدارس وجامعات وراديو وتلفزيون وووو، بينما يسجن الكوردي إذا تكلم بلغته أو أطلق على مولوده أو محله التجاري إسما كورديا.

وهذا، للمقارنة فقط، ما لم تفعله إسرائيل بالفلسطينيين الذين بدرسون في مدارسهم وجامعاتهم ولهم وسائلهم الإعلامية بلغتهم.
هل سوريا دولة عربية؟ أم هي دولة عربية، كوردية، شركسية، تركمانية، أرمنية، آشورية، سريانية، مسلمة، مسيحية، يزيدية، علوية، موحدية، إسماعيلية ووو؟ هل يعني مسمى الجمهورية السورية عداء للأمة العربية أو إنتقاصا من حقها وقدرها؟ الجواب هو بكل تأكيد النفي، إذ لا يهدد الوحدة الوطنية شيء أكثر من سيطرة فكر وثقافة اللون الواحد الذي لمسناه في مؤتمرات أنطاليا وإسطنبول من طرف السيد أردوغان الذي يستميت من أجل عدم حصول جزء آخر من كوردستان على الحرية ضمن حدود الدولة السورية التعددية الديمقراطية، كما إستمات من قبل ضد حقوق وحرية شعب كوردستان العراق، الذي ما زال الإعلامي فيصل القاسم يرى في حريته نتاجا للدعم الأمريكي وكأن به ينتظر خروج الأمريكان لكي يسلب تلك الحرية من جديد ويعيد هؤلاء العاقين الذين تجرأوا على الجهر بإنتمائهم إلى قومية أخرى خلقها الله مثل غيرها عبيدا مطيعين بين أيدي أسيادهم العرب العراقيين.

نلمس هذا كذلك من طرف حركة الإخوان المسلمين وبعض القومجيين العرب الذين لا يستطيعون بعد بكل اسف الإرتقاء إلى وعي أن الكورد وجميع مكونات المجتمع السوري الأخرى هم عبارة عن شركاء في الوطن ولهم حق الاشتراك في صنع القرارالسوري المشترك وأنهم ليسوا عبيدا أو أناسا من درجات ومرتبات أدنى.
ثقافة اللون الواحد تنظر إلى كل مطلب ومسعى نحو المساواة والعدالة في الحقوق والواجبات داخل الدولة الواحدة على أنه مسعى إنفصالي، مع أنني لم اسمع حتى اليوم أحدا في سوريا من أقصاها إلى أدناها إلا ويصرخ: واحد واحد، الشعب السوري واحد.

وتدعوا هذه العقلية المتحجرة إلى الإحتفاظ بالهوية والإمتداد العربي لسوريا، وكأن إختصار الإسم الحالي للدولة السورية إلى كلمتين وحذف كلمة (العربية) منها هو جريمة ضد الأمة العربية.

 إذا كان الأمر كذلك فإن دولا مثل الكويت ولبنان وتونس والأردن وغيرها يجب أن تحاكم أمام محاكم السيد فيصل القاسم، لأن مسمياتها الرسمية لا تحوي هذه الكلمة.

ولكن هل شك أحد يوما في الإنتماء العربي لهذه الدول ؟
من الطبيعي أن للعرب وهم القومية الأكبر والأولى من حيث الكم في سوريا إمتدادهم الثقافي والعرقي والإجتماعي مع الشعوب العربية الأخرى، كذلك من الطبيعي أن للكورد كثاني قومية في سوريا  إمتدادهم الثقافي والعرقي والإجتماعي مع الأمة الكوردية المقسمة بين عدة دول، كما للدروز إمتداداتهم في لبنان وإسرائيل وللعلويين في كوردستان وتركيا وللأرمن في أرمينيا والمهجر وللآشوريين في العراق وللمسيحيين في الفاتيكان وأوروبا ووووو.


سوريا المستقبل يجب أن تكون لكل السوريين وليس فقط لقومية واحدة، أو طائفة أو دين واحد.

ومن هذا المنطلق فهي ليست ولن تكون سوى سوريا الحرة الديمقراطية التعددية.إنالفكر الإقصائي الأحادي النظرة الداعي إلى عروبة سوريا،هو نفسه الذي كان يدعو لعروبة وإسلام كامل السودان بما فيه الجنوب بكل ما تبع ذلك من حروب وويلات وهذا أخطر بكثير على الوحدة الوطنية لأي دولة كان، لأن من يتم إنكاره يمكنه أن يطالب فعلا بالإنفصال وليس من يصبح شريكا فعليا في الوطن.


كاتب كوردي
2011.07.25

sileman.ali@googlemail.com

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

بسم الله الرحمن الرحيم تكرّر العدوان غير المشروع على إقليم كوردستان الليلة الماضية مرة أخرى، وللأسف أسفر عن استشهاد اثنين من المواطنين الأبرياء في قرية زَرگزَوي بمحافظة أربيل، نتيجة هجوم بطائرة مسيّرة إيرانية. وهذا الأمر يُعدّ غايةً في الإجرام والظلم، حيث يُستهدف مواطنو كوردستان العُزّل بهذه الطريقة ومن دون أي مبرر، بدافع الحقد الأعمى. إن استشهاد هذين المواطنين البريئين قد…

شــــريف علي في السياسة كما في الاجتماع البشري عمومًا، لا توجد معادلة أكثر هشاشة من تلك التي تقوم على “اتفاق الفاسدين”. هذا النمط من التفاهمات، الذي يُبنى على تقاسم الغنائم بدل تقاسم المسؤوليات، يحمل في داخله بذور فنائه منذ لحظة ولادته. إذ لا يمكن لمنطق النهب أن يتحول إلى منظومة حكم مستقرة، ولا يمكن لتحالفات المصالح الضيقة أن تصمد أمام…

حوران حم في لحظات التحوّل الكبرى، لا تكون أخطر التحديات تلك القادمة من الخارج، مهما بلغت قسوتها، بل تلك التي تتسلل إلى الداخل بهدوء، وتُعيد تشكيل الوعي، وتُربك الاتجاه، وتُفكك البنية من حيث لا نشعر. ولعلّ أخطر ما أصاب الحركة الكردية عبر تاريخها الحديث، ليس فقط حجم الاستهدافات الإقليمية والدولية، بل ذلك المرض المزمن الذي تكرّر بأشكال مختلفة: الانشقاق… وما…

عمر إبراهيم بعد أربعة عشر عامًا من الحرب السورية، لم تعد القضية الكردية مشروعًا عسكريًا بقدر ما أصبحت اختبارًا سياسيًا لمستقبل الدولة نفسها. فالأكراد، الذين ملأوا فراغ السلطة في الشمال الشرقي خلال سنوات الصراع، يجدون أنفسهم اليوم أمام واقع جديد تحكمه التوازنات الإقليمية والدولية أكثر مما تحكمه القوة على الأرض. تراجع الحديث عن الاستقلال أو الفيدرالية الواسعة، لصالح طرح أكثر…