الأنفـال .. بين حشرجات الثكالى وأهزوجة الاستبداد

روني علي

   قد يحتار المرء بأمر مشاعره، التي قد تجره إلى ما فيه افتقاد للرجولة، حسب الموروث والمفهوم المجتمعي، الذي يجسد الرجولة في قيم وطقوس معينة، وهو يصغي إلى حكايات تتوالى في قاعة محكمة الجنايات العراقية؛ كون الحكايات وما تكتنفها من شجون وكوارث واقتلاع لجذور عوائل بأكملها، بل فيه إبادة للموروث الكردي، أرضاً وشعباً، بشراً وحجراً، أحياءً وأموات، يدفع المرء – دون إرادة منه – إلى أن يذرف دموع الاختلاجات، وبالتالي السقوط من دائرة المفهوم المتجسد؛ في أن الرجل لا يبكي، إلى هاوية اللا رجولة، كونه لا بد وأن يبكي، وإن كان الفارق الزمني ما بين سرد القصص وحدوث الوقائع، أنشأ جيلاً من حيث التكوين والذاكرة ..

وبحكم أن القصص التي تخرج من الزاوية المخصصة للمشتكين والشهود في قاعة المحكمة، والوثائق التي تنشر، والمقابر الجماعية التي تكتشف، تخص في غالبيتها أبناء جلدتي المغلوبين على قدرهم، وتلك الرقع الجغرافية التي لم تر نسمات الحرية والاستقرار، منذ أن بدأت ثقافة النسف والصهر والدم بالتكون والتبلور، ومنذ أن رسمت الخارطة الجيوسياسية للمنطقة وفق مشيئة التوازنات الدولية، وعلى حساب تمزيق الشعوب والأوطان، فيحق لنا، نحن أبناء الجن، أن نصرخ في وجه الموت والوأد والاجتثاث، ويحق لنا أيضاً أن نطلق صرخة الإنذار لما قد يحمله لنا المستقبل من طواغيت وصناعة الموت، وفق المنتوج الثقافي الذي أنجب صدام وزبانيته، خاصةً إذا واكبنا صيرورة الأحداث، وأخذنا بعين الاعتبار ما تتناولها العديد من الفضائيات وكذلك الأصوات والأقلام العروبية، من تمجيد للطاغية، وتبجيل لأسطورة الفتك والقتل والفناء، على حساب الدم العراقي عموماً والكردي على وجه الخصوص، والتي تفوق في الشكل والممارسة، ما اقترفته طواغيت القرن من صناع الموت ومصاصي الدماء، ورموز الدكتاتورية القابعين على صدور الشعوب بقوة الحديد والنار، بحق الإنسان والإنسانية، والتي تشكل – تلك المجازر التي ارتكبت – وصمة عار على جبين كل من يرى في نفسه المدافع عن حقوق الإنسان والحيوان، وقد لاذ بالصمت حيالها، سواء أكان فرداً أو حزباً أو نظاماً أو منظومةً..
وإذا ما امتلكا الذاكرة، ووقفنا على تلك المشاهد التي رافقت سقوط الديكتاتورية في الشوارع الممتدة من البحر إلى البحر، وهي تخرج منددة بالسقوط وتهتف بحياة الأسطورة / الطاغية، وتلك الأقلام التي بثت سمومها في وجدان البسطاء من أبناء الشعب العربي – شريك الكرد في التاريخ -، على أثر القرار الذي اتخذته حكومة إقليم كردستان بخصوص العلم العراقي، وما يحاك الآن من فتن ومؤامرات إقليمية أو طائفية أو مذهبية، تهدف إلى ضرب بعض المكاسب التي تحققت للشعب الكردي، أو ما يجري بين فئات، تدعي الثقافة وتتغنى بالحريات الديمقراطية، وهي تدافع عن تلك الجرائم والمجازر، وكأن الذين انفلو ودفنوا في المقابر الجماعية، أو الذين شكلوا بأجسادهم وأرواحهم حقولاً لتجارب الخردل والنابالم والسيانيد، لا يمتون إلى الإنسان والإنسانية بصلة، لا بل – وحسب رؤية ومشيئة هذا البعض – متمردين على الدولة، وكأن الدولة متجسدة في الطاغية، وأن الوطن ملك لممارساته، كان لنا أن نقرأ المستقل وفق معطيات، ينبغي أن تكون مرتكزاته مبنية على الوقائع والحقائق، لا على البساطة والسذاجة حين التفاعل والتعامل، كون الحقائق التي تواجهنا عند كل منعطف، تؤكد لنا بأن السائد في البيئة والذهنية، هي ذات الثقافة التي أنتجت الطاغية، وهي التي حرقت الأرض والبشر، وأن الذين يشدون من أزر الطغاة، ينتشرون في الأرض طولاً وعرضاً، وأن المستقبل الذي ننشده في أن تنعم المنطقة بالاستقرار والطمأنينة، لا يمكن له أن يتحقق ما دامت ثقافة الدم هي الطاغية، وما دام الصوت الذي ينادي بالحرية والتحرر هو المستهدف، وإلا لكان الطاغية وزبانيته في قفص الاتهام قانونياً وجماهيرياً وأخلاقياً، أما وأن نرى هذا الكم الذي يقف مدافعاً عنه، لقناعته بأن في سقوطه انهيار لمنظومة سياسية وثقافية، فلا بد من إعادة النظر في ثقافة التعايش، لأن التاريخ يؤكد بأن التعايش لا بد وأن يكون بين الأقوياء، أما في حالة الضعيف مع القوي، فلا تتحقق معادلة المساواة أو التعايش ..

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أ. د. سربست نبي القابلية لإقناع الذات وخداعها إزاء الواقع، هو استعداد وسلوك نفسي مشترك ينشأ لدى الجماعات والأفراد، الذين بلغوا درجة من العجز المطلق إزاء فهم واقعهم وتفسيره بعد أن فُرض عليهم قسراً، واستسلموا فعلياً له. ورغم ذلك يلجؤون إلى ميكانيزمات لخداع الذات والتحايل عليها عبر إسباغ معنى أو دلالة معاكسة لهذا الواقع كما هو بالفعل. فالأمم تخدع نفسها…

ماجد ع محمد إذا ما صدق موقع “أكسيوس” بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب اختارت رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني ليكون قناة خلفية للتواصل مباشرة مع قيادة “الحرس الثوري” الإيراني، بعدما ساورت واشنطن شكوك بشأن صلاحيات المفاوضين الإيرانيين لإبرام اتفاق ينهي الحرب. فهذا يعني بأن بارزاني حلقة وصل مهمة وفاعل خير وليس محضر شر، وفي العرف الإنساني يُكافأ فاعل…

عبد الجابر حبيب لا أعتقد أن المشكلة في أن ننتقد صلاح الدين أو نعيد قراءة دوره في التاريخ، فهذا حق مشروع، لكن المشكلة تبدأ عندما ننظر إلى التاريخ بعين اليوم، ثم نحاكم شخصيات الماضي وفق مفاهيم سياسية وقومية لم تكن موجودة في زمنها. من يقول إن صلاح الدين قصر بحق الكورد، وخدم غير هم، ولم يسعَ إلى تأسيس دولة كوردية،…

صلاح بدرالدين قبل مائة عام بدأت معالم هذه المدينة بالظهور مع تواجد حامية الانتداب الفرنسي على التلة المقابلة لمدينة نصيبين – التركية – ووضع المهندسون الفرنسييون الخرائط ، واللبنة الأولى لبناء مدينة على نهر – جقجق – المتدفق من ينابيع وادي – بونصرا – قبل تغيير مجراه – في ولاية ماردين بكردستان تركيا . هناك في المنطقة الكردية السورية وأطرافها…