وثيقة المبادئ الكردية – ضمانة تفادي المعانتين

زكريا حسن

ليس من مجال للشك من أن جميع الأطياف السورية متفقة على ضرورة سقوط النظام لأنه لم يعد مقبولاً من الشارع سواء مع أو بدون استخدام العنف والقمع والقوة ، ولكن توقيت السقوط ليس في المتناول نظراً للتفاوت الكبير بين وحشية السلطة وسلمية الثورة من جهة ولعدم تبلور قيادة أو إدارة رسمية ومعترف بها للثورة  . 

– المؤتمرات وصولاً إلى اتحاد المؤتمرات

مع اعتراف منظمي المؤتمرات من أنهم لا يمثلون الثورة أو الشعب السوري إلّا أن شغلهم الشاغل هو التوصل إلى تحقيق متطلبات وآمال الشارع السوري الذي هو بنظرهم – الأغلبية – لا يختلف كثير الاختلاف عن الشارع في زمن الأسد إلّا من بعض الجوانب الخدمية ومنح بعض الحريات اكثر فأكثر بالإضافة إلى تمتع الشارع بالديمقراطية والتي ستكون كفيلة بحل جميع مشكلات الشعب السوري ( الشعوب )  بحسب الظن الغالب
ربما الضبابية من حيث التحضير لسوريا المستقبلية لن يؤثر على موقف منظمي المؤتمرات لأن الهم الأكبر لمن يشرف عليها هو تعبئة الشارع وإعطاء المظاهرات المطالبة بالسقوط شكلاً رسمياً يسعى لاستمالة الرأي العام العالمي أكثر والكائنات الفاعلة في المجتمع الدولي ، الأمر الذي قد يتوج بمؤتمر جامع يضم كل من نظم ودعم المؤتمرات السابقة ويتفق على سوريا المؤتمر الجامع ، وهذا كله مع التأكيد بأنه مهما كان حجم المشاركة الكردية في كل كل مؤتمر فلن يتوج بمطلب مشترك بالتزامن مع المؤتمرات الأخرى لأنه يستحيل تحويل مجموعة الهامشيات إلى أساس ومستند .

–  المعاناة المشتركة والمعاناة الخاصة

طبعا المشهد الكردي لا يختلف كثيرا من حيث طبيعة العلاقة بين الشعب ومن يشارك نيابةً عنه في المؤتمرات توصلا لصيغة يعتقد من يشارك أنهم ربما يحاولون الأقتراب من متطلبات الشعب ويعلنون في كل مرة أنهم لا يمثلون الشعب وإنما وبحكم ثنائية المعاناة الكردية ( المعاناة المشتركة والمعاناة الخاصة ) فهم يحاولون التوصل لمكتسباتٍ قد تساهم مستقبلاً في تفادي تكرار المعانتين.


وما يلفت الانتباه في الشأن الكردي هو عدم وضوح الموقف– طبعاً عدم الوضوح يعني عدم توفر رؤية مشتركة –  من الثورة ما يؤثر سلباً على القضية الكردية ومستقبلها وبخاصة أن لا سوريا مستقبلية بدون توفر المشاركة الكردية الغير واضحة المعالم إلى الآن .
كنا سنكون بغنىً حتى عن ذكر اسم الكورد في الدستور السوري المقبل وبغنى عن سيناريوهات أخرى يلح عليها أحزاب وشخصيات لولا التخوف من إعادة إنتاج النموذج النابذ للآخر ولو بشكل مختلف وعصري ، إلّا أن الجميع – كل من في سوريا – يجب أن يتخلص من عقلية ( الظروف الغير ملائمة ) فلا أكثر ملائمة من وقت يقرر فيه الشعب حقاً بنفسه ولنفسه ، ولا أفضل من قوننة الحقوق وحمايتها في ظل عدم الثقة .
بنظري فإن عدم تجانس المعارضة الغير كردية لا يعني إلى الآن عدم أتفاقها أن الشيطان أكثر مقبوليةً من البعث ومن آل الأسد ولذلك فهي تحاول مع اتفاقاتها على أحقية الثورة وضرورة سقوط النظام التوصل إلى نقاط مشتركة تعطي زخماً أكبر للثورة وتمكنها من تحقيق مكتسباتٍ يمكن تطويرها في مرحلة ما بعد السقوط ، الأمر الذي يختلفون به مع الكورد الذين ينظرون إلى أنفسهم حتى اللحظة على أنهم بحاجة إلى ضمانة من أي طرف  حتى لو كان هذا الطرف نفسه يبحث عن شرعية ما .

– الأتفاق الهزيل أكثر مقبولية من عدم الأتفاق القوي

يعتبر من بديهيات العمل السياسي إعطاء صبغة سياسية للقضية المراد تمثيلها ، والصبغة السياسية لأية قضية ما تتغير بتغير الظروف والمواقف التي من المفترض أن تدلل عليها ، وهذا بالضبط ما تستوعبه المعارضة السورية الغير كوردية وتعمل من أجله ، بالإضافة إلى أنه سيكون من الصعب جداً التأثير على المعارضة الغير كوردية في ظل غياب وثيقة مبادئ كوردية متفق عليها وتكون أساساً للعمل بصرف النظر عن توجهاتها – ومع الاحتفاظ بتوجهاتي السياسية – وعندها سيكون من السهل أولاً تمثيل التوجه الكوردي في أي مؤتمر كان وسيكون من الصعب استمالة طرف كوردي وفي حال استمالته سيجد نفسه خارج السرب وسيجده الآخرون كذلك .

بناءً على المسلمات السابقة الذكر فإن الدعوة لعقد مؤتمر كوردي يشمل جميع الأطياف والقوى السياسية والشخصيات المستقلة والمثقفين سيكون ذا أثر بالغ الأهمية في تحديد مستقبل القضية الكوردية وتحديد توجهات السياسة الكوردية ، دون أن يعني ذلك أن هذا المؤتمر هو دعوة إلى المحاصصة السياسية لسوريا ما بعد السقوط ، وإنما سيكون ذلك تذكير برفض تكرار سيناريوهات سابقة ، مع أولوية الحصول على الحقوق القومية المشروعة ، وسيحول الموقف الكوردي من داعم على الهامش إلى مؤسسٍ لقاعدة متينة تؤسس لسوريا حضارية .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…