يوتوبيا المثقف

إبراهيم محمود

اثنان أصيبا بالصدمة مما جرى في العالم العربي منذ نهاية،2010 والصدمة لما تزل تفعل فعلها: السلطة الممثلة في الأنظمة القائمة تلك التي عاشت ولا تزال تعيش قائمة الأحداث الصادمة في الشارع المعتبَر شارعها، لأنها آمنت بما تعتقده، وباعتبارها عاشت تفكيراً سلطوياً أحادي الاتجاه، وزمناً مؤمماً من المنغّصات استناداً إلى رأسمالها الرمزي: العنفي: المؤسساتي الخاص بها وليس بالدولة كتمثيل حرفي للقانون كأنها تماهت مع تاريخ يعنيها فقط، ويحال إليه وبتصرف لافت كل تاريخ بوصفه نظيره أو دونه مقاماً فيزاح جانباً .
 والمثقف الذي كان يحاول تنظيراً من خلال مجموعة إحداثيات تقفز به – ببهلوانية آلمة – إلى ما وراء الشارع العربي، والصيغة التخيلية الضعيفة الاتصال بقوى الشارع هذا، وهو يعيش يقيناً يكاد يصله بيقين ممثّل السلطة في الهرم السلطوي الأعلى وليس السياسي، لأن ذلك يحيلنا إلى مجتمع أكثر أهلية بالقوى الحية والملهمة، وينسخ عما كان الممثل ذاك يعيشه باعتباره المسيطر على الزمان بالذات، وقد أفقِد الشعب مفهومَه القاعدي .

في الحالتين، نجد أنفسنا إزاء ما هو غفل من الاسم، وكما هي المباغتات الكبرى “ثورات بركانية كامنة غير معايَنة وهي في الجوار أو الوسط المجتمعي”: سلطة تعمل بمبدأ العماء “الكاوس” وتقدم نذوراً فولكلورية من الداخل أو برتوكولية تتعدى حدودها كنظام مسجل باسمه الخاص مع الخارج، بزعامة ميتاكاريزمية في قلب الميديا، وهي مفارقة تضعنا في متن تاريخ يتنكر لاسمه لانفصاله عما هو أرضي ومجتمعي أو قانون تغيره، في مناسبات تصطبغ بما هو قومي وشعبوي ووطني كرنفالي على أشد ما يكون من الكرنفالية الصاخبة دعاية للسلطة ومن يتمرس وراءها، وهي تشكل حجاباً مانعاً يحول دون سماع أصوات “معذبي الأرض” وحركة التاريخ، ومثقف تتنوع أسماؤه أو ألقابه أو مواقعه الاحترابية مع أمثاله أو موضوعات لم تدخر السلطة عينها جهداً في تمييعها إلى درجة أن وقوف أي مثقف في المجمل، وعبر الممتلَك منابرياً أو المحتكَر سلطوياً، على أي ظاهرة ثقافية، يحيله إلى كائن مخبري، ظلي، مفارق للحياة التي تتحرك خارج “عنق الزجاجة” المعطى له، وكيف أنه كان يتحرك في عقد ندواته المتعددة العناوين في إهاب سلطوي، يلعب استثناءُ السلطة المضيفة ولو في منحى خطابي دبلوماسي دوراً لعوباً في توقير شبح السلطة وهو يجول في ذهن المثقف في هذا البلد العربي أو ذاك .

ربما نكون إزاء ما أسمّيه ب”يوتوبيا المثقف”: عين خفائه القسري بحافز ذاتي أو سبب فاعل منسوب إليه، وعين تراقبه ولا تسهو عنه لحظة واحدة، وهي تحثه على رسم خطوطه وتمثّل مشاريعه بعيداً عن الجاري أصولاً .

وفي حمى الأحداث المباغتة للسلطة، والتي أرادتها سلطةَ تاريخ ومجتمع آهلين بشعب حي هذه المرة، كان ثمة تكوين تاريخ ثقافي من نوع آخر، ليكون العنف السلطوي والدامي ضد المحتجين والثائرين متناسباً والصورة التي تتبصر بها السلطة ذاتها في مرآتها العقائدية، صورة أكثر مصداقية من المرآة، ولعل عملية إرجاعها إلى صوابها إلى مواجهتها بصورتها الفعلية تطلبت وقتاً اختلف من نظام إلى آخر، وقتاً لما يزل شغالاً بالعنف الدامي والمميت تعبيراً سلطوياً عن أن ثمة خللاً بنيوياً في القاعدة يجب احتواؤه: ترويضه أو تأهيله وفق هوى سلطوي، وليس لأن ثمة خطأ بنيوياً أُصّل أساساً ليكون حاضنة سلطة وعلامة تشكيلها، وللمثقف حكاياته الكبرى في تصور هذا العنف وتعبيره المتقطع عما يكونه مواقعياً، إلى درجة أن طابع تنظيره لحيوية هذا الشارع الطويل والمتعرج والمتفجر قياماتياً نوعاً ما، لا يخفي حداثته الطارئة، مناورته على نفسه وهو ينظر كما لو أنه – فيما يسمّيه ثورة شعبية- لم يكن الآخر الغريب لنفسه أو عليها حتى الأمس القريب، وأنا أسمّي هنا، مثلاً “عزمي بشارة” الذي تفتقت قريحته وهو يستشرف حركية العنف الشارعي ويرصد وقائعه باعتباره الناطق بلسان حالها، أو حين نتذكر طيب تيزيني وحتى برهان غليون وغيرهم، وكيف باتوا على صدام مباشر ليس مع السلطة القائمة وعنفها الشارعي هذه المرة، وإنما مع أفكارهم كما لو أنهم يعيشون ولادة مغايرة وفق شروط تتجاوب مع حركية الشارع، وما فيها من شعاراتية ظرفية مستحدثة تحيله من خاصية المثقف الرزين نزيل سكن خاص إلى الثائر على وضعه .

أضف إلى ذلك أن الوسائطية التي نعيشها عبر الشاشة الصغيرة هنا وهناك، أصابت غالبية المثقفين العرب بحبسة نفسية وعضوية غير محسوبة، نظراً لأنهم اعتادوا كتابة مقدمات وتدبيج تصورات تستغرق وقتاً طويلاً، وبالتالي، شكل الجاري بميسمه الثوري العربي غير المتوقع، تحدياً يتطلب من غالبية المثقفين العرب وهم محاصَرون بتاريخهم ذي الانزياحات الكثيرة في ذاتيتها وسلطويتها الخادعة، زمناً ليس بالهين الخروج من قمقمه أو التحرر من غوايته، ويحتاجون تدريباً خاصاً وتأهيلاً مغايراً تماماً ليدخلوا في صلب الموضوع الساخن، حتى يصغى إليهم أو تتم مشاهدتهم، أو ليؤكّدوا سمة الجماهيرية في ما يتمثلونه وقد تنكروا لها كثيراً .

ربما يعني ذلك أن السلطة التي تقاوم الثائرين عليها بشراسة كما هي نمطية تاريخها المريب والمرعب والسفلي، ولا تستسلم بقانون التغير التاريخي الأكبر منها بيسر كما هو المرئي فيها، وأن المثقف العربي في غالبية أسمائه ومسمياته، يفرض عليه ما بوغت به تحرراً متعدداً: من فتنة سلطة لا يخفي تأثره بها واستئناسه بمقولاتها، أو وهو على النقيض منها كما لو أنه جبهة رحالة تعنيه بعيداً عن تجسيد فعلي، شارعي، ومن ذاته إزاء هذا الانخطاف الذاتي الذي اختزل فيه قواه وهي ليست نابعة منه وحده، ومقابل الذين استخف بهم بوصفهم المعين الرئيس في قراءة التاريخ وتحولاته: أي الشعب، إنها يوتوبيا مكلفة، باعتبارها، وللمرة الأولى، يجد نفسه وقد جال طويلاً في تاريخ كثير التجريد، وهو يهبط على أرض حقيقية ويعيش حراكاً شعبياً حقيقياً يهديه الصراط المستقيم .

 

* باحث من سوريا
 

ملحق الخليج- السبت-9-7-2011

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…