من هم صُنَّاع القرار السياسي الكردي

عباس عباس

قبل أن أنفث السُمَ في وجوه الذين حملوا راية التحرير الكردستاني, لابد لي أن أبحث عن المبرر الذي سوف يبرأني في يوم الحساب من حكم التاريخ وعقابه، فيما إذا نفذت ما أنا بصدده الآن.

والمبرر هنا إن تمكنت من إثباته بالشكل المقنع لي وللكرد السوريين بشكل خاص، قد يبرر بشكلٍ أخر الوسيلة التي تحملنا إلى الغاية النبيلة التي ننتظرها منذ أكثر من خمسة عقود، مهما كانت سوء أو سوية الخلق في تلك الوسيلة.
كثرت في الآونة الأخيرة أعداد المثقفين بين الكرد السوريين الذين يطالبون بضرورة إيجاد وسيلة أخرى ناجعة للوصول إلى الهدف الذي هم من أجله جادون، بعيداً عن الإسلوب التقليدي الكلاسيكي، أي الحزب الواحد والزعيم الواحد الأحد، الذي هو خالق هذا الحزب وواضع دستوره الحزبي الجليل أو من ورث تلك السلطة من بعده، محاولين الابتعاد عن سلطته المطلقة، بإعتباره الخالق لهذا التكوين وهذا الدستور الذي يحق له بموجب القانون الإلهي هذا، أن يبدل في دستوره متى شاء وماذا يشاء، ويقرر مصير الجماهير على هواه بدون مسائلة.
الحقيقة أجد أن هذا الطلب شرعي لأبعد حدْ، لسببين، أولهما الزمن الذي طال أكثر من اللازم، وهم يديرون عجلة النضال بدون أن يكون هناك دليل بسيط عن نجاحهم في الأمر.

أي بالبسيط المفيد، الفرص المتاحة لهؤلاء إنتهىت بلا شئ ، وما الذي يدعو إليه المثقف الكردي الشاب ليس إلا ردة فعلٍ طبيعية عن خيبات الأمل التي تكررت على مدى عقود، والحقيقة هي الفترة الزمنية التي سنحت لهؤلاء الزعماء أن يكونوا فعلاً مناضلون ومنقذون لشعبهم .
أما السبب الثاني، فيكمن في درجة الوعي لدى الشباب ، هذا الجيلٌ المارد، بدأ يفرض شخصيته من خلال وعيه العميق بمجريات الأمور، معتمداً ذكائه المفرط الذي صنعه التطور السريع والهائل للتقنيات الإلكترونية، بعيداً عن المدرس الكلاسيكي والمدارس التي لاتزال تعتمد المنهج البسيط الذي وضعه شخص لايمت إلى كوكبهم، كوكب الكمبيوتر وتقنياتها .
 عدة أجيال، وأنا من بينهم، ولمدة خمسة عقود أو أكثر، عشنا على قانون (هكذا رأينا عليه أبائنا) ، والسيرة تلك بدأت بالشكل الذي نحن بصدده الآن مع أول زعيمٍ تاريخي للكرد، وأقصد المرحوم المناضل ملا مصطفى البرزاني، ومن ثم ليتوزع بين مام جلال وعبد الله أوجلان، طبعاً لا ننسى الزعامت التي كانت تمثل تلك الوجوه بين الكرد السوري حتى اللحظة، وهم ما نحن بصصده الآن .
دراسة بسيطة للواقع الكردي في العقد الآخير من سيرة النضال، في سوريا طبعاً، سنجد أن المآساة حصلت في تلك الفترة التي بدأ يخف وطأة الزعامة التقليدية على قادة الأحزاب الكردي في سوريا.


فمثلاَ الإنشقاق والتشتت بدأ يسري في جسد الحزب الديمقراتي الكردستاني (البارتي) بعد أن خف هيمنة الآب الروحي لهذا الحزب على قادته في سورية، وقد بدأ ذلك بعد إنهيار ثورته بإتفاق جزائر، ولم يتمكن بعد ذلك أن يسد الفراغ أي من أبنائه، وتكرر السيناريو مع كلٍ من عبد الله أوجلان بعد أسره، ومع جلال الطلباني حين أن ترك بإرادته أمر من سار على دربه من الأحزاب الكردية في سوريا، ليبعد عن نفسه تهمة التدخل في الشؤون الداخلية لدولة جارة، بعد أن أصبح رئيساً لجمهورية العراق الفدرالية.
ترك هذا الفراغ توتراَ بين القيادات (لندعها بالمحلية) وتشرذماً، ومن نتائجه التشتت الهائل الحاصل اليوم بين الشعب الكردي، ولأن هؤلاء القادة، لم يكنوا قد أتقنوا بعد أن يكونوا هم أصحاب القرار في أمورٍ تخصهم وتخص الجماهير التي تسير ضمن أحزابهم، كانت الفاجعة التي تعيشها تلك الجماهير اليوم, وبالتالي هي السبب في ظهور المارد الشاب المثقف، وهم يطالبون بالحل الأمثل على غرار الثورات العربية اليوم.

ولايمكن أن يكون الشاب المثقف الكردي مقلداً لزميله العربي، بل هم صنوان متلازمان، تجرعا من نفس النبع، نبع التقنيات الحديثة، حيث يجد أغلب القادة، كرداً وعرباً، أنفسهم أميين مقارنة بهم في هذا المجال.
في الدول الديمقراطية كما نسميها، أو المتطورة تقنياً، أستطيع أن أقول بأنها في حقيقة الأمر دول لا تمت إلى الديمقراطية الصحيحة، وأن الجماهير ليست هي التي تقرر الصح من الخطأ، بل تتلقى من مراكز القرار، الخفية  أو المعلنة،  المعلومة وتقرر على أساسه ما يجب أن تختار.

مراكز القرار الخفية في تلك الدول، هي حقيقة مكاتب ليست بذي بال، قد تجدها ولا تعلم بأن الأشخاص الذين يجلسون بهدوء وراء مكاتبهم فيها هم من يحددون مسار القرار النهائي، وهم بالمطلق، عباقرة في التحليل والإستنتاج وإستقراء المستقبل البعيد، في السياسة والإقتصاد وغيره، وهم ليسوا إلا نموذج عن الماسونية الكلاسيكية .
 أما مراكز القرار المعلنة، فهي تتمركز بشكل أو بأخر في الإعلام، وكمثال في ألمانيا ، صحيفة (بلد تسايتنج أو دير شبيجل) التي تقررا مع مثيلاتها فيما إذا كان اليسوع يستحق الإحترام أم لا !… وهلم جرا في كل الدول التي تدعي الديمقراطية، مع ذلك لايمكننا أن نقارنها بجمهورية أفلاطون، وإن كانت كذلك بمقارنتها بالحكومات العربية وحتى التركية والإيرانية .
لنعد بعد هذا للقرار السياسي الكردي في سورية، بعد أن خاب ظن الشاب الكردي بقياداته، خاصة في فترة الثورة الشعبية الشبابية في سورية .

فهل يمكننا بالفعل تحديد مركزاً محدداً بين الكرد السوريين، لنقل عنه أنه مركز القرار؟… هل هناك مكاتب تجمع رؤوس الفكر، للتحليل والإستنتاج أو الإستقراء؟ و هل هناك مركز إعلامي واحد، يستطيع أن يسيطر على التوجه العام للجماهير؟…
طبعاً وكما أظن أنه لايوجد أي شئ من هذا القبيل بين الكرد السوريين، ولكن لا يعني ذلك أنه ليست هناك خطوات في هذا الإتجاه، والتمرد الشبابي والصحف الإلكترونية الخاصة بالكرد، بدأت في هذا الإتجاه، وإن كانت تعاني الضيق مادياً وعدائياً، إلا أنها في طور التكوين، وهم لا يحتاجون إلا إلى فرصة حقيقية ، مادية قبل كل شئ ، ليكونوا على مستوى المسؤولية الحقيقة، والأيام القليلة القادمة، ستشهد الساحة الكردستانية، ليس فقط في سورية بل على مستوى كردستان كلها، وجوهاً واثقة من نفسها، متمكنة من قدراتها في التحليل السليم للحدث، والإستنتاج الصحيح للنتائج، والإستقراء المتقدم بعقود بعيداً عن التهور والمجازفة، متجاوزين بذلك وبشكلٍ طبيعي تلك الأصنام التي باتت من الماضي، والتي تستحق منا الإحترام رغم كل إخفاقاتهم، فقط لأنهم حاولوا .

أي يمكنني في النهاية أن أقول وبكل إطمئنان، أن المستقبل سيصنعه شابٌ سنه لايتجاوز عمر وردة في ربيع كردستان المتجدد الأبدي، ليس في قاموسه كلمة الإستعباد، ويعيد للمطلق رونقه، في مجال حريته على أقل تقدير.

  

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…