مهن ممتهنة….!

إبراهيم اليوسف

كثيراً ما بتنا نجد – في الفترة الأخيرة – من يتنطّع ، وتحت وطأة التنرجس المخادع ، و تضخيم الذّات، لاعتبار نفسه ، ودون أية مؤهلات حقيقية ، في موقع الشطب على الآخر ، وحجب مواطنته ، بطريقة أشبه بسلوك شوفينيي 1962 ممّن جردوا – آنذاك – عشرات الألوف من الأسر الكردية ، من حقّ المواطنة ، ليتوهم الاستبداديّون الصغار- وتحت حمى هذه العدوى المريبة – مقدرتهم على استعادة كامل ذلك الميراث العسفيّ غير المشرّف ، وإمكان ديمومة القمع المقنّع – تارةً أخرى- ناسين أنّ روزنامة اللّحظة تشير إلى النّصف الثاني من العام 2006 ،حيث خطت البشرية- إلى الآن- ست خطوات، ولو مرتبكة، مضنية، في بهو الألفية الغامضة رقم “3

لا أريد ، أن أنهل من معجم الاتّهامات الرخيص ، و أخمّن ماضياً ما وراء تفكير هؤلاء الذين يتصرّفون على هذا النّحو ، وإن كنت أنظر بحيادية محض إلى موقف كلا الطرفين المختلفين ، زاعماً أنّني أتخذ -المسافة نفسها – منهما على حد سواء….!

إنّ من وضع مجرّد لبنة ما ، من أجل ذويه ، وأبناء جلدته ، أو الإنسانية ، هو باختصار ” مناضل ” مادام أنه كان إزاء كلّ ذلك ، يغامر بمصلحته الضيقة ، الفانية ، من أجل المصلحة العامة،الأبقى ، و إن مثل هذه الصّفة لا يمكن أن تمنح أو تمنع من مجرّد ” دكان ” حزبويّ – وبعيداً عن التعميم – يبيع الشّعارات بالمفرّق أو الجملة ،دأب بعض زبنه أو بعض زبانيته التعامي عن النقاط الناصعة عمن عمل بروح عالية ، وإن ساورت مسيرته النضالية الشائكة – لا ريب –الأخطاء ، هنا ، أو هناك…!

إنّني – في هذا المقام – أرفع صوتي – عاليا ً عاليا ً- للتوكيد أنّ كلّ من يعمل بصدق ، وإخلاص ، من أجل أية قضية ، إنّما هو يأخذ شهادة “حسن سلوكه” من الجماهير العريضة، التي تعرف تماما ً، من هو الدعيّ الزّائف ، ومن هو الغيريّ الذي يدفع ضريبته ” يومياً أمام ” أعين التاريخ والجميع”دونما استكانة،وإن كنّا لسنا في عصر الأنبياء الذين لا يخطؤون…..!.

إنّ هؤلاء الذين يطمئنون إلى مجرّد كتابات هشّة بأسماء مستعارة ، أو بيانات غير فاعلة، أو مفعول بها ،يتوارون وراءها- ساسة أو مثقفين أو متثاقفين – هم في مظنّتي مدعوون كي ترتقي مواقفهم إلى مستوى تنظيراتهم، اليوميّة ، لا أن يكون لهم أكثر من” وجه” في تعاملهم مع المتناقضات الرهيبة التي من حولنا، وأنا أعرف كم من بين مثقفينا وساستنا من مناضلين غيريين حقيقيين، كثيرون منهم، في النهاية، ضحايا الالتباس، وتوارد الألقاب المسبوغة برخص في عالم الفضاء الألكتروني ، ملتقى الصّالح والطالح ، الخيّر والشرّير،الزائف والأصيل ،الضحية والمجرم ، على حدّ سواء……!

أجل، ثمّة كثيرون بيننا، الآن، من عابري الاختصاصات،الممتهنة للأسف، والمهانة،لا المهنية، يسمحون لأنفسهم كي يطوّب كلّ شيء بأسمائهم، ليتدخّل النطّاسي في شؤون البيطار، وليقتحم خبير الأطعمة مملكة طبيب الأسنان ، وليغدو معلم المدرسة معمارياً،والأبكم حكواتياً، ما دامت الألقاب تهطل برخص، جاحدين بخبرة وثقافة أهل الكار قبل سواهم،ولعلّ أكثرها انتهاكاً الثقافة والسياسة- ليكفر الدعي الراعي، ناسين أنّ علينا إعطاء الخبّاز- لاسيما إن كان مجرّباً- حقّ التصرّف في إمبراطورية عمله، شريطة ألا يحرق ولو جزءاً من الرّغيف …..! و أعتقد أنه علينا كمثقفين غيارى ، إن كنّا كذلك ،لأخصّص هنا مضيّقاً الدائرة إلى درجة تناول الذّات ، في حدود هذه الخطاطة القبض – جيّدا ً – على زمام أمورنا،أجل ، زمام أمورنا نحن! ، في وسط هذه الفوضى الهالكة ، كي نمارس الدّور الحقيق المنوّط بالكتابة ، والكاتب ، مادمنا نقع – والحمد لله – على كثير من النّقاط التي يجب أن نتوقّّف عندها ، في الوقت الذي نجد فيه – أيضا ً- هذا التخلخل الرّهيب في المقاييس ، حيث السياسيّ- وبعيدا ً عن التعميم لما فيه من عمى- بات يسمح لنفسه ممارسة دورالوصائيّ على الثقافيّ- وفرض نمط رؤيته عليه وإن الثقافيّ المأخوذ بالعدوى ذاتها ، العدوى التي قد ترمي إلى مزالق العدوان، أحيانا ً،بسبب علّة الترأرىء التي يعانيها ، يكاد لايجد سوى نفسه ، ولايسمع – هو الآخر- سوى أصداء صوت نفسه، المتصادى، بل المتهادر من عمق واديه ،غير ذي الزرع غالباً، لدرجة ” نكاد نصبح خلالها في” حيص بيص” ،خصوصاً إزاء التنبّه للسؤال الواخز ، لكلّ ضمير يقظ ، وهو يشهد بأمّ عينيه وجهات – نظر متناحرة – لا- متناقضة – فحسب: من نسمع في هذا الطاحون؟” ” قامشلو

1-10-2006

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…