لم يكن الانتقاد العلني الحاد الذي وجهه جميل بايك، رئيس الهيئة التنفيذية لمنظومة المجتمع الكردستاني وأحد أبرز قيادات جبال قنديل، لمسار مستشار الرئاسة السورية مظلوم عبدي مجرد تصريح عابر أو تباين عادي في وجهات النظر؛ بل جاء هذا الهجوم ليمثل تجلياً صريحاً لخروج صراع بنيوي وعميق إلى العلن، يمتد لسنوات بين قيادة قنديل العقائدية من جهة، والقيادة الميدانية والسياسية لقوات سوريا الديمقراطية الممثلة بقائدها مظلوم عبدي من جهة أخرى.
جذور الخلاف يمكن تلخيصها في الصراع بين البراغماتية السياسية في مواجهة الأيديولوجيا الصلبة. فعلى مدى السنوات الماضية، حاولت قنديل في محطات عدة تحجيم دور مظلوم عبدي وإزاحته عن واجهة المشهد العسكري والسياسي. غير أن هذه المحاولات كانت تصطدم دائماً بمتغيرات الميدان وتعاظم نفوذ عبدي، فضلاً عن التزام التحالف الدولي الصارم بالتعامل معه بوصفه الشريك الأساسي والضامن الرئيسي للاستقرار في شمال وشرق سوريا.
وأمام هذا الواقع، تنامت الفجوة بين مشروعين يمثل كل منهما رؤية مختلفة تماماً: رؤية قنديل القائمة على أيديولوجيا الصراع المستمر ورفض التسويات النصفية، ومقاربة عبدي البراغماتية التي تسعى إلى حماية المكتسبات الوطنية وإنجاز المسار السياسي عبر تطبيق اتفاقية 29 يناير مع دمشق، لتجنيب المنطقة والمكونات المحلية جولات جديدة من الاقتتال والنزيف المفتوح.
يمكن القول إن مساعي قنديل لتقويض الكاريزما تتم عبر استراتيجية الحصار الناعم، كما أن أهداف هذا الهجوم العلني تتجاوز شخص مظلوم عبدي لتطال العصب التنظيمي والسياسي لـ “روجافا”. إذ تحاول قنديل، عبر تقويض شرعية عبدي، تحشيد الكوادر التنظيمية وضغط القواعد الحزبية ضد رؤيته، وفرض حصار إعلامي وسياسي حوله بهدف تقليل حجم تأثيره وكاريزمته القيادية المتنامية.
إن الهدف الجوهري لقنديل من هذه الحملة هو إعادة ضبط الإدارة في روجافا وفق أجندتها الخاصة، وإبقاء المفاصل الأساسية للقرار العسكري والسياسي تحت سيطرتها المركزية الكاملة، بما يقطع الطريق أمام أي مشروع يسعى لإنتاج استقلالية محلية أو إقليمية تتجاوز مظلتها الحزبية.
وعند التمعن في الأسباب المباشرة لهجوم قنديل، يتضح أن محطة الاندماج والتفاوض مع دمشق كانت النقطة التي أفاضت الكأس. لقد أظهر مظلوم عبدي وفريقه استقلالية واضحة عن توجيهات قنديل؛ إذ رفض التعاطي مع طروحاتها الداعية إلى اندماج شكلي يحفظ التبعية الهيكلية للأيديولوجيا الحزبية، واختار في المقابل خوض مسار اندماج حقيقي يضمن الحقوق الدستورية للمكون الكردي والمكونات الأخرى ضمن الدولة السورية.
وفي الوقت الذي كانت فيه قنديل تدفع باتجاه التمسك بالمواقف الصارمة والتصعيد الميداني، اختار عبدي الدبلوماسية والحلول السياسية كخيار أول، معتبراً المواجهة العسكرية ملجأ أخيراً ومستبعداً في الوقت الراهن، رغبة منه في تحقيق ما هو ممكن عبر السياسة وتفادي الاستفزازات التي تقود إلى مواجهات غير محسوبة.
لكن هل كان منصب مستشار الرئاسة السورية فخاً سياسياً؟ والأهم هل يتحول هذا الفخ إلى نقطة قوة؟
من الغفلة تصور أن هذه الضغوط قد تدفع مظلوم عبدي إلى الانكفاء أو القبول بدور هامشي كـ “مستشار” يجرده من صلاحياته الميدانية. فالرجل يمتلك خبرة عملية طويلة في إدارة التوازنات المعقدة، ويفهم قواعد اللعبة الإقليمية والدولية جيداً.
وإن كان تسويق منصب المستشار أُريد به أن يكون فخاً سياسياً لاحتوائه وتقييد حركته، فإن عبدي يمتلك من أدوات المناورة ورصيد العلاقات ما يؤهله لتحويل هذا التحدي إلى نقطة قوة استراتيجية. وسيكون الرهان الحقيقي في المرحلة القادمة قدرته على خلق توازن دقيق بين مهامه التفاوضية في دمشق وحفظ الاستقرار الميداني في روجافا، بما يضمن صون المصالح الوطنية بعيداً عن هيمنة الأجندات الحزبية الضيقة.