ضيافـة فيسبوكيـــة

 إبراهيم محمود

سوريون..
هدَتهم طبيعتهم إلى دمهم، دمهم هداهم إلى فمهم، فمهم هذا هداهم إلى الحرية
الحرية صرخت، هتفت، صدحت: سورياااااااااااا..
سوريون بالجملة نعم، لكن الجملة ” جُملات” تعتد بلغاتها: رئاتها: عرب، كرد، سريان، أرمن، جركس، تركمان…
كم هم كثر، ثرٌّ: براً، جواً، بحراً

على مر سنين وسنين وسنين كفَّت أن تكون سنيناً، وكرهت محاضرها الموبوءة…

على خلفية من وعود أهل ِوعود من “فوق” تحيل جلودهم سكرى حدودهم
وعود تترى ببيارات من الفرح والملذات

أصلاً، كانت جغرافيتهم ماء مبهجاً وتاريخهم هواء منعشاً
لكن للأسف، للأسف، للأسف المديد
أحالوا الجغرافيا غربالاً والتاريخ منخلاً
يوسعون هذا ويضيقون تلك في خلطة عجيبة، كما هي خلطتهم منزوعة الاسم
ويمرّرون عبر الثقوب غير المستقرة أرواح الملايين من السوريين لا تصل سالمة
في موت يتربص بهم ويخترقهم من الأمام والخلف
احتفاء بحريتهم التي لم تحسَب لهم طويلاً طويلاً
تصوروا، تصوروا، كيف يُمنع من تسمية الهواء باسمه والماء باسمه
تصوروا، تصوروا كيف تسمَّى طأطأة الرأس وقاراً
تصوروا ، تصوروا، كيف يُسمى الخداع ترويحاً عن النفس
تصوروا، تصوروا، كيف يُسمى الواحد دولة
تصوروا، تصوروا، كيف يُلغى الجمع باسم الواحد الأحد الأرضي
حيث يشتعل النهار  تحت الأرض، بينما الليل فيعمّر طرقات لتضليل أفراح الملايين!
إنَّما، إنَّما، ها همو، كما همو، سوريون كما جغرافيتهم المرايا وتاريخهم الوعود اليانعة
ينفضون طرقاتهم من متاهات رهانتهم الرعناء، كما يزجرون صدأ السنين: أن أذهب دون رجعة
وينعون من نعى عليهم حيواتهم قبل أوانها في الساحات المكتظة بالحرية والضواحي المزنرة بالآمال
الترجمة ذاتها أحبةَ البلد: الجميع، مع فارق أن الواحد يهتدي بالجميع
ها همو، همو كما همو، كلهمو، سوريون دفعة واحدة يتساقطون في الجهات الأربع كعبرات احتبسها غيم السماء
ها همو، كما همو خلاف الذين لا يعرفون من الحياة إلا مرارتها، ولا من المرارة إلا علقمها ولا من العلقم إلا الموت الطاحش والفاحش
ها همو، همو هاهاها أحبتي حيث أراكم وأسمع شدو عرقكم الوطني
قادمين من المستحيل على حين غرَّة
صاعدين إلى سماء خرساء بسجنكم المستبشر بكم في غير ميعاد
أعماركم التي ذرفت أفراحها وراء قضبان مشحونة بالحقد
في عهدة من لا يكسر ظمأه ثقلُ ماء نمير، وهواء أثير: ماء حريتكم وهواء كرامتكم
وقد اقترضوا من البارود ما يعمي قلوبهم ويسمّم فيهم معنى الحياة
باسم واحد أحد أرضي، كانت قروض الموت تستلَف من حيواتكم التي تكلل الجبال وأرحام أمهات الأحرار
لا موت بعد اليوم إلا ما كان بإيعاز من طبيعة صانع الطبيعة الأصيل طبعاً
هنيئاً عليكم طيرانكم الحر
خروجكم الحر
انقضاء أجل القضبان التي تتهدد صانعيها
ومن يُعدُّ لأيام لم تعد تستجيب له كما يهوى وهو يهوى
هنيئاً لكم حيث أنتم بكامل عدَّتكم وعتادكم من الحرية التي على مقاسكم المنير
كرداً كنتم، عرباً كنتم، سرياناً، كنتم، جراكسة كنتم، تركماناً كنتم….الخ
إنما سوريون في جملتكم الوارفة المدى والصدى
سوريا حيث تخرج من غرفة العناية المشددة على وقع أهازيج جلودكم ذات الترياق الشافي

سوريا حيث تكون مؤمَّمة بكم: عتقاء السجون وطلقاء الأرواح الصادحة بحريتها حتى اللحظة!

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…