عندما تتحول الأحزاب إلى أوراق التوت

  محمد خير داوود

منذ بداية الثورة السورية ضد الطغيان والديكتاتورية وبعدما دفع الشعب السوري الغالي والنفيس ليستعيد كرامته المهدورة منذ عقود، كانت الأنظار متجهة نحو الكرد ورد فعلهم المتوقعة، لا لأنهم اكثر شجاعة من بقية اطياف الشعب السوري، وإنما لانهم اكثر المتضررين من النظام البعثي ولأن الشعب الكردي في سوريا كتلة مترابطة اجتماعياً وثقافيا، بالإضافة إلى تجربة الشعب الكردي في هذا المضمار، لاسيما في الإنتفاضة الجماهيرية (2004) ولأن الكرد لا يمتلكون شيئاً يخشون خسارته في مواجهة النظام على مبدأ المثل القائل: “لا تتحدى إنساناً ليس لديه ما يخسره”.

ناهيك عن القناعة التامة لدى الأطياف الأخرى بأن الشعب الكردي جزءاً لا يتجزأ من الشعب السوري.
انتظرنا، كما الشعب السوري كافة، موقف الأحزاب الكردية التي كانت ضبابية إلى حد وصلت فيه الضبابية إلى تشكيك البعض باجنداتهم، متهمينهم بالانتهازية والوقوف إلى جانب النظام، لكن الشباب الكردي خاصة والشباب السوري في الجزيرة بشكل عام، استطاع أن يغير من المعادلة وينضم للثورة السورية عبر التدفق بالآلاف إلى الشوارع مطالبين بالحرية واسقاط النظام.
شعرت الحركة الكردية او ما تسمى بمجموع الأحزاب الكردية أن القافلة تسير تاركة إياهم خلفها، فبادروا إلى توحيد صفوفهم عبر اصدار بيانات خُلّبية وأخيراً عبر طرح مشروع متأخر كتأخر النظام في تنفيذ إصلاحاته، والتي نظر إليها الكثيرون انها تمثل مراوغة في صالح النظام و تكبح جماح الشباب بحجة امهال النظام فترة نقاهة كي يستعيد وعيه، إلا ان الشباب الكردي رفض جملة وتفصيلاً مشروع تلك الاحزاب التي تسمى بالمبادرة الكردية، وزلزلت الأرض تحت اقدام النظام ومن يتشفع له، عندما رفعوا من سقف مطاليبهم والدعوة إلى اسقاط النظام.
أخيراً وليس آخراً، تلقت الأحزاب “مذكرة استدعاء” أو دعوة لقاء وحوار من النظام وراسه بشار الأسد، وللأسف لم نشعر بالصدمة من رد الاحزاب على تلك الدعوة عندما وافقت على الحضور، متناسين ما فعله النظام خلال عقود مع معرفتهم المسبقة ان النظام مخادع ولن يمنحهم شيئاً، بل سيجعلهم في الجبهة المضادة للمعارضة السورية والشعب السوري بكرده وعربه وكافة اطيافه.
هناك نقاط عدة، يتوجب توضيحها:
أولا: النظام السوري فاقد لشرعيته تماماً ومن يجالسه ويتحاور معه يقوم بمنحه الشرعية ويصبح بمثابة ورقة توت تستر عورة النظام.
ثانياً: الشعب الكردي في سوريا جزء من الشعب السوري، وأي حل استثنائي لن يصب في مصلحة الكرد، لاسيما وأن النظام سيُزال عاجلاً ام آجلا، وحوارنا يجب ان يكون مع بقية الأطياف السورية الأخرى من اجل وضع برنامج عمل وآليات لبناء الوطن بمعايير جديدة، يتمتع الكل فيه بحقوقه القومية والسياسية والثقافية، على اساس دولة المواطنة واحترام خصوصية الآخر.
ثالثا: الاحزاب الكردية في سوريا لا تتمتع بشرعية جماهيرية، ويحق لها التحدث والتحاور باسم اعضائها فقط، مع العلم ان عدد المنظمين في الأحزاب لا يبلغ (5%) من الشعب.
رابعاً: الاحزاب الكردية لم تدعو إلى التظاهرات التي تخرج كل يوم جمعة في مدن الجزيرة، وبالتالي الشباب المستقل الذي ينظم هذه التظاهرات هو صاحب الحق في قبول الحوار مع النظام أو رفضه.
يبقى هنا أن نشير ان السيد مشعل تمو الذي كان قد صرح من سجنه قبل فترة بأنه مع الشباب ويضم صوته إلى أصواتهم من اجل اسقاط النظام، صرح لدى خروجه من السجن واستقباله من قبل الجماهير انه ضد الحوار مع نظام فقد شرعيته وأنه مع الشباب السوري في ازالة هذا الظلم والطغيان الذي يمارسه البعث واعوانه.
مشعل تمو سيزيل ورقة التوت وسيكسب رضى الشباب خاصة و الشعب السوري بكشل عام.

من هنا نحيي المناضل مشعل ونتمنى ان يبقى قريباً من نبض الشباب الذي هم عماد هذا الوطن، به يبنى وبه يزدهر.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالباقي اليوسف تقتضي لحظات التحول التاريخية في الشرق الأوسط نظرة واقعية تفكك المشهد بعيداً عن الشعارات المستهلكة؛ وما يشهده الإقليم اليوم من تسارع محتدم للأحداث—من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران إلى إعادة رسم خرائط النفوذ—ليس مجرد تفاصيل منفصلة، بل تجلٍّ لإعادة ترتيب واسعة لموازين القوى. وفي قلب هذه العاصفة، يأتي الموقف التركي الراهن تجاه القضية الكوردية ليرسم علامات استفهام كبرى؛ موقفٌ…

عبد الجابر حبيب لا أدري لماذا تسلل إلى ذهني مسلسل “صح النوم”، وبالتحديد ذلك المشهد الذي يحاول فيه حسني البرظان كتابة مقالته الشهيرة. يبدأ بثقة: “إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، فعلينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل.” ثم يتكفل غوار بإفساد كل شيء، فلا يكتمل المقال؛ لأن الواقع المؤلم الذي يعيشه كاتب المقال كان أثقل من أن…

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…

شادي حاجي في مرحلة تتغير فيها خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط، وتتداخل المصالح الدولية والإقليمية بصورة متسارعة، تقف القضية الكردية أمام سؤال مختلف: هل ينبغي للكرد البحث عن حلول عاجلة، أم أن المرحلة تقتضي بناء استراتيجية طويلة الأمد تجعلهم أكثر استعداداً للمتغيرات المقبلة؟ ربما يكون الخيار الثاني هو الأكثر واقعية. فـالصبر الاستراتيجي لا يعني الاستسلام للواقع أو التخلي عن…