في مفهوم (الدولة المدنية !!!)

د.

سربست نبي

إذا أردت أن تميّع مفهوماً, أو تشوّهه وتتحايل عليه, وتخلق بلبلة عنه, وتصرف الأذهان  في المحصلة, يكفي أن تطلق عليه تسميات أخرى لتزيده غموضاً ولبساً, وتخترع له ألقاباً وأوصافاً ….الخ

 في العرف العقلي الأرسطي (الموجود لا يعرّف, فإن عرّفته زاد غموضاً) والحال أن هذه القاعدة تصح على الموجودات الاعتبارية والمادية والمعنوية جميعها.

ولا تشذّ الدولة ككيان عن تلك.

فالدولة وجدت أصلاً كي تكون سياسية تستمّد شرعيتها من أساس اجتماعي مدني.
 إذ لم يشهد تاريخ الدول, بالمعنى الحديث, من قبل دولة غير سياسية, سوى تلك الإمارات والممالك والإمبراطوريات الغابرة, التي كانت تمثل سلطة إقطاع عسكري أو سواه.

ولهذا لم تكن تشكل دولاً بالمعنى الحديث لمفهوم الدولة.

ومن الخطأ, من وجهة نظر علوم السياسة والفكر, عدّها دولاً في الأصل والطبيعة.

لاعتبارات عديدة, منها غياب فضاء سياسي عام ومشترك.

واختزال السياسي فيما هو اجتماعي, وعدم التمييز بين المجالين.

من هنا لم تكن دولاً سياسية, ولا حتى مدنية.

إنما في أحسن الأحوال كانت مجرد سلطة إقطاع عسكري.

 لا يصح التمييّز بين ماهو (مدني) و(غير مدني) من الناحية المنهاجية إلا حينما يتعلق الأمر بالسلطة.

فالسلطة السياسية هي عادة ما يستخدم بشأنها مصطلح (السلطة المدنية) أو (السلطة العسكرية)…الخ.

ومن النافل الحديث عن الدولة السياسية بوصفها دولة مدنية, لأن الدولة لا تكون أصلاً ما لم تتأسس على مجتمع (مدني) فهذا التأسيس من مبررات وجودها وشرط له.

ولا يمكن أن تكون هناك دولة سياسية حديثة من دون مجتمع مدني حيّ.

وهذا التعريف للدولة بصفتها سياسية, وللمجتمع بصفته (مدنياً) له جذره الفكريّ العميق وتأسيسه النظريّ اللذين يحولان دون الخلط بينهما بأيّ اعتبار.
 لقد انتبه الآباء الأوائل للفكر السياسي الحديث, والمؤسسون لنظرية الدولة والمجتمع المدني, إلى هذا الجانب.

فقد استخدموا طوال قرنين منذ زمن الفيلسوف الإنكليزي (توماس هوبز) مصطلح الاجتماع/المجتمع (المدني) و(الكومنويلث) والدولة للإشارة إلى النموذج الجديد للاجتماع الإنساني بمواجهة الأشكال السابقة للاجتماع المدني وبخاصة (الاجتماع الطبيعي) كما افترضوا, قبل أن يصبح المجتمع المدني حيّزاً مستقلاً عن الحياة السياسية, ويغدو كل ماهو ليس من الدولة اجتماعياً.

ويُنجز الاستقلال التامّ بين المجالين السياسي والاجتماعي (المدني) مع ظهور النظرية الليبرالية.

لقد ساد هذا التصور الأولي لدى (هوبز) و(جون لوك) وآخرين.

والقول بالمجتمع المدني كان يعني الدولة في ذات الوقت لديهم, ويراد به المجتمع السياسي المنظم المنبثق من المجتمع البشري, لا من مصدر ديني مفارق.

وكانت السياسة, لدى هؤلاء, مدنية ودنيوية غير مقدسة, وليست شأناً لاهوتياً, كما كان الحال لدى فلاسفة العصر الوسيط مثل (القديس أوغسطين) و( توما الأكويني).

بهذه الدلالة استخدم هؤلاء صفة (مدني) ليس إلا.
في المرحلة التالية من تطور الفكر السياسي الحديث حيث تم التمييز والإقرار بالفصل العلائقي بين المجالين,  مع مفكرين أمثال( آدم سميث) و(آدم فيرغسون) و( ستيوارت مل) و(توكفيل) وغيرهم.

صار الحديث عن الدولة بصفتها كياناً (سياسياً) والمجتمع بصفته كياناً( مدنياً) مستقلاً تماماً عن المجال السياسي ومجرداً منه, مثلما ليس للدولة من علاقة بالحياة (المدنية) إلا حينما ترتد إليها لتبرر شرعية وجودها.

وعلى العكس من ذلك بات التأكيد على ضرورة حماية هذا (المجال الخاص) أو (المدني) يستدعي أكثر فأكثر تعزيز التدابير الاحترازية ذات الطابع الوقائي التي تحول دون تعسف السلطة السياسية وتقييد تدخلها في الحياة (المدنية) جزءاً لا يتجزأ من التصور الحديث والمعاصر للدولة السياسية.

خلاصة القول, الحديث عن الدولة المدنية أشبه مايكون بالثرثرة الفارغة عن الماء (السائل) على أنه سائل.

ففيه من اللغو والتضليل والخلط ما يثير الارتياب العميق.

وهذا الاختراع النظري غير الموفق لا يمكن أن ينسب إلا للمعارضات العربية عموماً, والإسلامية السورية بوجه خاص.

 فقد أتت به في سياق التغييرات التي تعصف بالمنطقة, وشاءت عبر طرحه القفز على مطلب علمانية الدولة, كشرط لتحديث السلطة وتحوّلها إلى سلطة سياسية ديمقراطية, وتمكنت من إقناع أنصاف الليبراليين وأشباه الديمقراطيين بأهمية هذا الاختراع العروبي- الإسلاموي الوحيد في هذا العصر.

إنها تتحين, من وراء هذا المفهوم الزائف, احتواء التغيير الديمقراطي الحقيقي والملح وليّ عنقه نحو فخّ المفاهيم الأيديولوجية الفضفاضة كي تنقضّ عليه تالياً وتنسفه بترسانتها الأيديولوجية التكفيرية.

ذلك أنها حتى هذه البرهة لا تسلّم بضرورة تحديث الدولة ولا تؤمن بدمقرطتها إلا مواربة.

كما لا يمكنها قط أن تعلن بصراحة إن شرعية الدولة وشرعية كل سلطة سياسية هي دنيوبة وإنسانية, وليست سماوية مفارقة, طالما أنها لا تزال على اعتقادها العتيق بمفهوم( الحاكمية) و أن الإسلام دين ودنيا.

إن كل فكر سياسي ديني يتعارض مع تحديث الدولة ودمَقرَطة النظام السياسي, لأنه يتعارض في الأصل مع القول بالمصدر الدنيوي- البشري للسلطة وشرعيتها.

والسلطة والأيديولوجية الدينيتان ترفضان النظر إلى رعايا الدولة على قاعدة المساواة في المواطنة, وفي الحقوق الطبيعية التي تفرضها الطبيعة البشرية.

من هنا يغدو الحديث عن دمقرطة الدولة وتعدديتها من دون إعلان ضرورة عَلمَنَتها لغواً فارغاً وتضليلاً سياسياً وخداعاً.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…