ردا على نوشيروان مصطفى امين .. لا لنظرية الفسطاطين في كردستان العراق

شيرزاد عادل اليزيدي

في مقاله المنشور في صحيفة “الشرق الاوسط” اللندنية بعنوان “كردستان ضمن دائرة الازمات ..

والسلام الاجتماعي” يحاول السيد نوشيروان مصطفى أمين زعيم حركة التغيير الكردية التملص من دور حركته المحوري في افتعال الازمة الاخيرة في اقليم كردستان العراق والتي انحسرت عموما لافتقادها العناصر الموضوعية للتصاعد والاستمرار كونها مثلت محاولة من المعارضة لركوب موجة التغييرات العميقة في الدول العربية الرازحة تحت نظم حكم استبدادية غير ديموقراطية لكن تجربة كردستان الديموقراطية على علاتها وعيوبها الكثيرة تمكنت من امتصاص تلك الازمة والشروع في معالجة مفاعيلها شيئا فشيئا بل والاستفادة منها لجهة ترشيد الحكم وترشيقه اكثر فاكثر .
حيث وبتشخيص ذاتوي تسطيحي يرى السيد مصطفى ان الازمة تكمن في فقدان الجماهير الثقة بالحزبين الكرديين الحاكمين ما استتبع فقدانا للثقة بكافة المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية في الاقليم هكذا دفعة واحدة في حين ان الحكومة والسلطة القائمة عموما لم يمض على انتخابها عام ونصف العام عند اعلان حركة التغيير عزمها على اسقاط مؤسسات الاقليم الشرعية تزامنا مع الثورات الشعبية العربية الامر الذي يحاول السيد مصطفى هنا نفيه عبر اشارته في مقدمة المقال الى ان ازمة كردستان ليست صدى لما يحدث في بلدان الشرق الاوسط وشمال افريقيا في حين ان حركة التغيير ما انفكت تعقد المقارنات لتشبيه الوضع في الاقليم بالوضع في تلك البلدان حتى ان زعيم الحركة ذهب في احدى مقابلاته التلفزيونية الى ان الوضع في كردستان اسوأ من الوضع في تونس وليبيا وغيرها من دول شهدت وتشهد ثورات شعبية فهل يعقل ان سلطة منتخبة قبل نحو عام ونيف فقدت هكذا بين عشية وضحاها وبجرة قلم ثقة الناس والناخبين واذا كان مصطفى واثقا لهذه الدرجة من استنتاجه هذا فلماذا يرفض اذن دعوة السلطة الى اجراء انتخابات عامة مبكرة ولعل انتخابات مجالس محافظات الاقليم في سبتمبر (آيلول) المقبل ستكون محطة فاصلة ومحكا لصدق دعاوى المعارضة الكردية من عدمه حول فقدان السلطة الكردية شرعيتها وشعبيتها لكن الغريب في هذا الصدد اشارة مصطفى الى فقدان القواعد التنظيمية للحزبين الثقة بهما نظرا الى تأخر انعقاد مؤتمراتهما الحزبية مع ان العام الماضي شهد انعقاد مؤتمري الحزبين الثالث للاتحاد الوطني والثالث عشر للديموقراطي في حين ان حزب التغيير الذي يتزعمه كاتب المقال لم يعقد مؤتمره التاسيسي بعد ولا هي واضحة هياكله ومنظوماته القيادية والهرمية بعد كل هذه السنوات من تأسيسه فأين هي المؤسساتية والشفافية والديموقراطية الداخلية في حزب التغيير اذن افلا يحق لنا القول هنا ان ثقة قواعد التغيير التنظيمية تتراجع والحال هذه بالحزب نظرا الى هذا التمركز المفرط للقرار والصلاحيات في شخص السيد نوشيروان مصطفى امين .
وعند الاشارة الى السلام الاجتماعي الذي هو لب الامن القومي فان الكاتب يتجاهل تماما دور حركته في خلخلتهما وتعريضهما لمخاطر وجودية غير مسبوقة كما شهدنا خلال الازمة الاخيرة فرفض ومحاربة ظواهر الفساد والتفاوت الطبقي والتداخل بين ما هو حزبي وحكومي شئ ومحاولة نسف التجربة الديموقراطية في الاقليم الكردي العراقي برمتها كما فعلت حركة التغيير وحلفائها من قوى الاسلام السياسي الكردية شئ اخر وكأن معالجة مكامن الخلل والعطب في تجربة الحكم والادارة الكردية تكون عبر اتباع الاساليب والدعاوى الانقلابية وتسفيه كل المكاسب والمنجزات الديموقراطية والقومية والاقتصادية والثقافية الكبرى التي حققتها وراكمتها هذه التجربة التي هي محط انظار وآمال الاكراد في مختلف اجزاء كردستان فضلا عن انها لطالما قدمت الوجه المشرق لتجربة العراق الجديد ما بعد صدام حتى ان الاقليم وخاصة بعيد اسقاط ديكتاتورية البعث واشتداد دوامة العنف الطائفي مثل بالفعل عراقا اخر يشار له بالبنان غير عراق الدم والفوضى والارهاب آنذاك حيث اختلف الامر الآن لحسن الحظ فرغم استمرار الاستعصاءات السياسية والدستورية في بلاد الرافدين لكن المهم ان الجميع بات يدرك ان اللعبة الديموقراطية البرلمانية هي المحك وهي المظلة الجامعة والطريق لاثبات الوجود واحقاق الحقوق والمشاركة في بناء الوطن العراقي الامر الذي انعكس ايجابا على الوضع الامني الذي قطع اشواطا كبيرة على طريق التحسن والاستتباب قياسا الى السابق .
فالتهويل الذي يسم المقال والذي وصل الى حد الاشارة الى مواطني درجة اولى ومواطني درجة ثانية في كردستان العراق لا يسهم باي حال في تخفيف الاحتقان وانفراج الازمة وصولا الى الشروع في عملية اصلاح شاملة على كافة الصعد السياسية والادارية والاقتصادية بما يحصن تجربة الاقليم ويزيدها دمقرطة ومأسسة وهذا لا يتحقق بروحية التحريض والتهويل وتضخيم السلبيات ونفي الايجابيات ورفض الحوار وفرض الشروط من قبل المعارضة التي هي بعد كل حساب تمثل الاقلية البرلمانية والشعبية ولا يحق لها مصادرة حق الاكثرية واملاء رؤاها واجندتها الاحادية عليها فالحل للخروج من تبعات تلك الازمة التي شهدتها كردستان العراق هو الحوار الشفاف والصريح بين السلطة والمعارضة دون شروط تعجيزية مسبقة ودون ادعاء امتلاك الحقيقة واحتكار الشرعية والحق في التكلم باسم الناس والشعب فهذا تقليد استبدادي لا ينبغي ان تعتمده المعارضة الكردية ذلك ان السلطة القائمة في الاقليم هي نتاج عملية ديموقراطية انتخابية وسقوطها بلغة المعارضة الكردية اي تغييرها بلغة التداول السلمي للسلطة وفق اللعبة الديموقراطية يكون فقط وفقط عبر صناديق الاقتراع وليس عبر احتلال الشارع والحيز العام كما حصل في ساحة سراي مدينة السليمانية على مدى شهرين وخلط الاوراق ومحاولة تقليد واستنساخ ما يجري في العالم العربي من ثورات شعبية على الاستبداد فكردستان العراق دشنت تجربتها الديموقراطية قبل نحو عقدين بالتمام والكمال من انطلاق موجة التغيير الحالية في المنطقة .

والمؤسف في ختام المقال اصرار السيد مصطفى على التمسك بنظرية الفسطاطين البن لادنية فهو يقسم هذه المرة الاكراد الى ظالمين اشرار ومظلومين اخيار وبطبيعة الحال هو الناطق بلسان المظلومين والمعبر عن مصالحهم اما الاخرون الاشرار : السلطة  ومنتخبوها وهم بالملايين فظالمون آثمون لا يتورعون عن ممارسة العنف بكافة اشكاله ضد الشعب المظلوم كما يقول في حين ان الطابع العنفي البعيد كل البعد عن المدنية والسلمية والتحضر كان الغالب على تحرك المعارضة الكردية في الشارع وفي القلب منها حركة التغيير للانقلاب على الشرعية الديموقراطية والالتزام بارادة شعب كردستان وخياراته السياسية والحضارية التي حددها وفق ممارسة ديموقراطية نزيهة حظيت باوسع مراقبة دولية واقليمية ومحلية .

عن “كوردستاني نوي”

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….