مظاهرة الجمعة.. وقفة تأمل

أحمد اسماعيل اسماعيل
 

     في كل مسيرة على مستوى الفرد أو المجموع (حزبية أو شعبية..) يحدث أن يقف صاحب هذه المسيرة لحظة تأمل للتأكد من صحة مسار مسيرته عن هدفها المرسوم لها منذ البداية ، فالانحراف وارد جداً على المستويين الفردي والعام في مسيرة الحياة، نلمس ذلك في بدايات مسيرتنا أو حتى منتصفها ،حينها قد يكون تصحيح المسار ممكناً، وذلك بالعودة إلى نقطة الانطلاق ومن ثم البدء من جديد وفق الأسس المرسومة لها، أما المسيرة التي انحرفت عن هدفها منذ البداية أو في منتصف طريقها ووصلت إلى مرحلة متقدمة ،فإن تصحيح مسارها يصبح متعذراً ، حينها سيجد صاحبها نفسه يدافع عن واقع الحال الذي وصلت إليه مسيرته ،أما بدافع المكابرة أو نتيجة الجهل بما آل إليه الأمر ، متذرعاً بنبل الهدف الأساس مرة ،وبالدور السلبي للآخر مرة أخرى، الأمر الذي نشهده في الكثير من المشاريع الحياتية الفردية والجماعية، وتعتبر تجربة الأحزاب الشيوعية خير مثال في هذا المجال،وهي مسيرة بدأت عظيمة وأُنهيت عقيمة.
هذا الأمر يجعلنا نقف على ما يحدث اليوم في الشارع السوري من احتجاجات ومظاهرات تطالب بإطلاق الحريات العامة في البلاد بعد عقود من تقييدها تجلت في قوانين مجحفة أطلقت بدورها أيدي أجهزة الأمن القمعية وقوى النهب والفساد التي أسأت، للوطن والمواطن ،فما يحدث اليوم ليس مجرد عدوى هلوسة بدأت من تونس كما وصفها أحدهم ، أو مؤامرة خارجية كما يصفها من يعارضها من موقعه في السلطة أو من خارجها ، بل هي انعطافة تاريخية جديدة لها ما لكل مرحلة تاريخية جديدة من خصوصية على كافة المستويات كمثل تلك التي رافقت ظهور الديانات السماوية، وولادة الثورات الكبرى التي أثرت في مسار التاريخ وأعطته علاماته الفارقة كالثورة الفرنسية  والروسية .
وقد كان بالإمكان أن تستمر هذه الثورات بالشكل الأمثل التي أراد لها روادها لو لم يصبها ما أصابها من انحراف وجمود أعاقها عن مواكبة التاريخ في حركته الدائمة.
وما يحدث اليوم في الشارع السوري من تحرك شعبي يتسع يوماً بعد يوم مطالباً بفك قيوده والتعامل معه كمواطن لا كرعية، يجعل من تأمل ما حدث في الأسابيع الماضية على صعيد المنطلق والسلوك والشعارات المرفوعة والمنطوقة أمراً ضرورياً، ويقتصر حديثي في هذه العجالة على المظاهرات المنطلقة في مدينة قامشلي ومدن أخرى من الجزيرة السورية ،لخصوصية قد تساهم في إعادة شحن الحساسية القومية ذات الطبيعة العشائرية ، غير أن الشعارات الوطنية التي تبناها الشباب الكرد خاصة، لعبت دورها في نزع فتيل تلك الحساسية وساهم في ضم بعض شركاء الوطن إلى هذه المظاهرات التي يمثل التضامن مع درعا الشعار الأكثر حضوراً ، كتابة وهتافاً ، متجاوزين بهذه الروح الوطنية الجرح الذي أحدثته في داخلها التصرفات غير المسؤولة لعناصر شاذة من عشائر وجماعات مغرر بها ؛ وحدة وطنية لم تستطع أكثر القوى السياسية من أحزاب وجماعات أن تحققها فأصبحت اليوم حقيقة واقعة بفضل شباب وطني غيور يعي أهدافه وسبل تحقيقها.
غير أن ما حدث يوم الجمعة العظيمة من رفع شعارات تخص حزب بعينه وهي شعارات غير واقعية سياسياً ، ترافق ذلك مع سلوك بعض من شذَّ عن طبيعة المظاهرة السلمية سلوكاً وأهدافاً وشعارات ، الأمر الذي من شأنه أن يسيء إلى هدف هذه المظاهرات الوطنية التي تضم كل أطياف أبناء الوطن السوري دون اقتصار على حزب أو قومية بعينها ، أو حتى دين ،فمطلب الحرية كالسيمفونية لا يتحقق بعزف منفرد مهما كان جميلاً هذا العزف أو متقناً ، ويعتبر من يريد حرف هذه المسيرة الوطنية الجديدة عن مسارها باتجاه محطات مهجورة ،هو بمثابة عرقلة لسير قطار التغيير ، وفي هذا الاتجاه تعد مراجعة ما حدث وضبطه لمنع ملء سماء المظاهرات بهتافات وشعارات تسيء إلى سيمفونية الوحدة الوطنية ذات أهمية قصوى.

ولعل في إضفاء صبغة مدنية حضارية على المظاهرة السلمية أصلاً ،من خلال انطلاقها من مكان آخر غير الجامع ، كأن تتمركز في ساحة ما،دوار الهلالية مثلاً، وترديد شعارات مدروسة ومضبوطة تحقق أهداف حامليها من الجيل الجديد والزمن الجديدـ : زمن يمارس فيه الكردي دوره إلى جانب شريكه العربي، في بناء وطنهما سوريا ، ضمانة لدوام مظاهرات عظيمة ، تحقق أهدافها العظيمة.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان منذ نهاية الحرب الباردة، احتلت مفاهيم مثل التعايش وأخوة الشعوب والتعددية والمواطنة المشتركة مكانة متقدمة في الخطابين السياسي والفكري، بوصفها مفاتيح لبناء مجتمعات أكثر استقراراً وعدالة. وقد جاءت هذه المفاهيم استجابةً لتجارب إنسانية قاسية أثبتت أن الصراعات القومية والعنصرية والدينية لا تخلف سوى الحروب والانقسامات وإضعاف الدول والمجتمعات. غير أن تحويل هذه المبادئ إلى واقع سياسي…

ماهين شيخاني في زمن تتغير فيه الخرائط، هل يبقى الكورد متفرجين؟ ليس هناك ما هو أشد إيلاماً من أن يمتلك شعبٌ كلَّ مقومات البقاء، فيفقدها بسبب انقساماته الداخلية. هذا هو جوهر المأساة الكوردية اليوم. فبينما تُعاد رسم خرائط الشرق الأوسط تحت وطأة المتغيرات الجيوسياسية، وبينما تسقط الأنظمة وتنهض أخرى، وبينما تتهاوى التحالفات وتُبنى غيرها، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً يطرق أبواب…

عبدالرحيم حسن من السهل تحميل الاحزاب الكوردية في روآڤايي كوردستان مسؤولية الاخطاء وماآلت اليه الاوضاع كما انه من السهل اتهام الشارع الكوردي بالتقاعس واللامبالاة ولكن في الحقيقة الازمة التي تعصف بالمجتمع اكثر تعقيداً فهي نتيجة تراكمات واخطاء مشتركة بين الاحزاب السياسية والنخب الاجتماعية والثقافية والمجتمع نفسه.   لاشك ان الاحزاب الكوردية تعاني من ضعف واضح من حيث التاثير والحضور الشعبي….

إبراهيم اليوسف ها قد دخلت الاحتجاجات يومها السابع، واستطاع المحتجون المشغولون بأهلهم من المواطنين، من دون تفريق، أو بحث عن: وجاهة أو جاه، خلال أسبوع كامل أن يثبتوا أن المطالبة بحق المواطن في الرغيف حين تخرج إلى الشارع فهي أبعد من أن تكون صدى لمجرد جوع، لأنها تعكس أسئلتها الكبرى. أسئلة الكرامة، إنها نتاج تاريخ كامل من…