الموقف المبهم للحركة السياسية الكردية في سورية

المحامي مصطفى أوسو  *

  وصف البيان الذي أصدره أحزاب الحركة الوطنية الكردية في سوريا، والمؤرخ في  24 / 4 / 20بأنه وفي خطوة تصعيدية من قبل الأجهزة الأمنية في محافظة الحسكة، تجاه أبناء شعبنا الكردي، أقدمت هذه الأجهزة على أعمال وممارسات ضد مجموعة واسعة من الشباب الكرد وبعض الشباب العرب من استجوابات مهينة لكرامة المواطن….

وتهديدات لشباب آخرين واعتقال البعض الآخر منهم…، وبأن هذه الأعمال الاستفزازية… أن لم تتوقف…، فهذا قد يدفع الشباب الكرد والعرب في كافة المناطق الكردية إلى الخروج إلى الشارع للاحتجاج، وكذلك فأن الحركة السياسية الكردية ستكون ملزمة بالاستجابة لنداءات الشباب واتخاذ القرار السياسي بدعوة عامة للمشاركة في الاحتجاجات….
  أن من يقرأ البيان المشار إليه، يشعر وكأن أطراف الحركة الوطنية الكردية في سورية، يعيشون في المريخ، وأن أطراف الحركة الوطنية الكردية في سوريا، ليسوا جزءاً من الحركة الوطنية في سوريا، وأن المجتمع الكردي ليس جزءاً من المجتمع السوري، فبعد مرور أكثر من شهر على الاحتجاجات الجماهيرية الشعبية المطالبة بالحرية واستعادة الكرامة… في سوريا، يرافقه قمع أمني شديد وانتهاكات فظيعة لحقوق المواطنين السوريين وحرياتهم الشخصية واستباحة كرامتهم وأعراضهم الشخصية واسترخاص دمائهم وهدرها بإطلاق الرصاص القاتل والمميت عليهم بدون وازع من ضمير أو امتثال لعرف أو شريعة أو قانون…، والتي وصلت إلى درجة الهمجية والوحشية وفاقت كل تصور يوم الجمعة العظيمة 22 / 4 / 2011 واليوم التالي السبت 23 / 4 / 2011 أثناء تشييع شهداء يوم الجمعة، حيث بلغ عدد شهداء اليومين أكثر مائة وخمسة وعرين شهيداً، وعدد الجرحى بالمئات، والقيام بعد ذلك بعمليات التمشيط والمداهمة لبيوت الناشطين المشاركين في التجمعات الاحتجاجية والتشيعية واعتقالهم…

  نقول: بعد هذه الفترة الطويلة من ارتكاب الأجهزة الأمنية السورية للانتهاكات الفظيعة والويلات بحق المواطنين السوريين واستباحة إعراضهم وكرامتهم الشخصية وقتلهم بدم بارد…، تخرج علينا أطراف الحركة الوطنية الكردية في سوريا وتقول: ( في خطوة تصعيدية… )، وأن ( الحركة السياسية الكردية ستكون ملزمة بالاستجابة لنداءات الشباب واتخاذ القرار السياسي بدعوة عامة للمشاركة في الاحتجاجات….

)، وهنا نتساءل: أين التشخيص السياسي للواقع السوري وأزماته والحلول المقترحة لذلك وآلياته…، منذ نشوء وتكوين الحركة السياسية الكردية في سوريا ؟ وما هو الفعل الذي قامت به هذه الحركة السياسية في مواجهة المشاريع العنصرية والتمييزية للسلطات السورية بحق الشعب الكردي منذ ذلك الحين وحتى الآن ؟ وكذلك ما هو الفعل الذي قامت به في مواجهة غياب الحريات الديمقراطية والانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان السوري وحرياته الأساسية خلال أكثر من خمسة عقود من الزمن ؟
  طبعاً أنا لا أنفي هنا بعض المواقف المضيئة للحركة السياسية الكردية هنا وهناك….، ولا أريد أن أخوض هنا سجالاً حول واقع الحركة السياسية الكردية في سوريا ومواقفها منذ تأسيس أول حزب كردي في سوريا وحتى الآن، ولكنني أتساءل وأنا من ضمن تركيبتها وفي موقع قيادي مهم، أين نحن مما يجري على الساحة السورية كل هذه الفترة من حراك جماهيري شعبي وما هو موقفنا ؟ ولماذا نحن غائبون عن ساحة الفعل والتأثير ؟ وهل ستغفر لنا الأجيال القادمة ما نحن عليه ؟ وهل المطالبة بالحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة وإزالة الاضطهاد والتمييز…، وإنهاء مظاهر الدولة الأمنية والمطالبة بكف الأجهزة الأمنية السورية عن استخدام العنف والقوة المفرطة بحق المواطنين السوريين وإزهاق أرواحهم….، من مهام الشباب فقط حتى تدعي الحركة الوطنية الكردية في بيانها الأنف الذكر إنها ستكون ملزمة بالاستجابة لنداءاتهم واتخاذ القرار السياسي بدعوة عامة للمشاركة في الاحتجاجات….

؟ ولماذا لا تتخذ الحركة الوطنية الكردية من تلقاء نفسها قرار المشاركة والدعوة إلى الاحتجاجات والمظاهرات…؟ طالما أنها ( التجمعات الاحتجاجية ) تهدف إلى إجراء التغيير الديمقراطي السلمي في البلاد وتحقيق سيادة القانون وضمان استقلالية القضاء ومحاربة الفساد والرشوة والمحسوبية وإهدار المال العام…، وإنهاء حالة القمع والظلم والاستبداد والاضطهاد…، من خلال القضاء على جميع أسسها ومرتكزاتها الفكرية والسياسية والقانونية…، وإنهاء حالة الاحتكار للسلطة والثروة…
 وإذا افترضنا هنا جدلاً أن السلطات الأمنية السورية أوقفت الأعمال الاستفزازية بحق المجموعات الشبابية العربية والكردية في محافظة الحسكة، واستمرت في قمع التظاهرات والاحتجاجات الجماهيرية الشعبية في بقية المدن والمحافظات السورية، هل ستبقى الحركة الوطنية الكردية تقف متفرجة على كل ما يجري من فظائع وأهوال للمواطنين السوريين وهدر دمائهم وهتك أعراضهم وإهانة كرامتهم… ؟
  اعتقد أنه لا يزال أمام الحركة الوطنية الكردية في سوريا، فرصة تاريخية مناسبة، لمراجعة حساباتها ومواقفها وسياساتها، والانخراط في العملية الجماهيرية الشعبية، التي تشهدها مختلف المدن والمحافظات السورية، وإلا فأن التاريخ لن يرحم أبداً.

*المحامي مصطفى أوسو عضو اللجنة السياسية لحزب أزادي الكردي في سوريا

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…

نورالدين عمر بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية. أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟ كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك…

د. محمود عباس ليس كل ما يُقال نقدًا هو نقد، وليس كل من يتحدث باسم الكورد ينتمي إلى قضيتهم، ما يجري اليوم ضد (ليلى زانا) ليس مجرد هجوم عابر، بل اختبار لوعي الشارع الكوردي، وبداية مسار خطير إن لم يُفهم في توقيته ومعناه. في الآونة الأخيرة، وبعدما تخطت القضية الكوردية حدود الجغرافيا التي فُرضت عليها تاريخيًا، وبدأت تفرض حضورها في…