وأخيرا الفضائيات قبل الاستعمار والصهيونية

شيرزاد عادل اليزيدي

مع توالي موجة اندلاع الثورات والانتفاضات الشعبية في العالم العربي بات يمكن القول انها بمعنى ما ثورات تلفزيونية بامتياز حيث اننا كمشاهدين كنا وما زلنا نواكب لحظة بلحظة تطورات الاحداث من المحيط الى الخليج والتي رغم دمويتها وبربريتها الا انها وكما في تونس ومصر تمخضت عن الحرية والانعتاق من الاستبداد المديد.
لقد مثلت الفضائيات الاخبارية العربية ما عدا تلك الرسمية المفلسة او الدائرة في الفلك السلطوي منبرا ومتنفسا لتلك الثورات وناقلا لفداحة البطش والقمع والاجرام الممارس من قبل انظمة القتل العربية ضد شعوبها الثائرة بعد طول تسلط عليها فهي عكست وبكل شفافية وموضوعية حقيقة بؤس احوالنا والحضيض الذي بلغته نظم حكمنا واوطاننا بصورة عامة جراء الاشتغال الاستبدادي المديد على تسطيحها وتهميشها وتحويلها الى مزارع خاصة لفئة متسلطة على كل بلد عربي
فهل ابعث على الاشمئزاز والاسى مثلا من منظر القذافي التلفزيوني وهو يمارس بهلوانياته واستعراضاته الخطابية المبتذلة على جثث آلاف بل عشرات الآلاف من الناس الابرياء ممن يفترض انهم مواطنون في جماهيريته العظمى حتى ان المشاهد بات يتساءل في خضم كل هذا لماذا نحن عاثرو الحظ الى درجة ان اشخاصا مهووسين كالعقيد الليبي وهو في النهاية مجرد عينة صارخة عن اشباهه ونظرائه الحكام بالحديد والنار في منطقتنا يمسكون بخناقنا ويدمرون حاضرنا و يصادرون مستقبلنا ويسحقون حيواتنا ويحطمون احلامنا الانسانية كيف مسخت هذه المجتمعات ودجنت لحد ان مهرجا ساديا كصاحبنا يحكم بلدا طويلا عريضا لمدة 42 عاما بالتمام والكمال ما هذا الاستعصاء التاريخي اللاتاريخي واللامنطقي الذي تعيشه منطقتنا لتبقى دون سائر العالم عصية على الحداثة والحرية والديمقراطية وبناء دول – امم جامعة لاختلافات مواطنيها وتمايزاتهم .
كم تبدو والحال هذه حقيقتنا التلفزيونية مفزعة صادمة فالشاشات الصغيرة حول العالم لا شغل شاغل لها هذه الايام الا منطقتنا وها هي تظهر بلدا بعد آخر حجم التهتك والانحطاط الذي بلغته بلداننا على يد انظمة قتل مسعورة ها هي تكشر ثانية عن انيابها وتغرسها بلا رفق او وازع في اجساد شعوبها المنهكة كما اعتادت .
لكن الفارق هذه المرة اننا في عالم السماوات المفتوحة فالصورة المتلفزة المنقولة فضائيا الى كل العالم دون رتوش او مونتاج  باتت حاضرة ترصد اولا باول يوميات ومجريات المجازر المرتكبة بحق شعوب منتفضة لحريتها تلك الصورة التي تقض مضاجع المستبدين في طول العالم العربي وعرضه حتى ان الفضائيات حلت محل الاستعمار والصهيونية وقبلهما في الاتهام بالوقوف وراء الثورات العربية من قبل انظمة الاستبداد العربي فالرئيس السوري مثلا ذكر الفضائيات واتهمها نحو عشر مرات في خطاب واحد له امام مجلس الشعب فالصورة التلفزيونية والحال هذه اصدق انباء من آلة القتل السلطوية العربية الممتدة من الطائرات النفاثة الى الجمال والاحصنة وصولا الى التلفزيونات الرسمية كالتلفزيون الليبي الكئيبة المثيرة للضحك لولا ماساوية المشهد ودموية ارتكابات النظم السلطوية العربية في ليبيا واليمن وسورية وغيرها من دول تشهد انتفاضات شعبية مدنية او ستشهد في قادم الايام وان غدا لناظره التلفزيوني قريب .

كاتب كردي
sh.yazidi@hotmail.com

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني مقدمة يشكّل القائد الكوردي مصطفى البارزاني أحد أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية في تاريخي الشرق الأوسط المعاصر. فقد ارتبط اسمه بالحركة التحررية الكوردية طوال ما يقارب نصف قرن من النضال السياسي والعسكري، وكان أحد القادة الذين أسهموا في تحويل القضية الكوردية من انتفاضات قبلية متفرقة إلى حركة قومية منظمة ذات مشروع سياسي واضح. وتكمن أهمية دراسة فكر البارزاني في…

وردنا اليوم خبر مؤلم من أحد المفرج عنهم من سجن علايا، يفيد بأن ابننا ديار مستو قد أُصيب داخل السجن بمرض الربو، نتيجة الأوضاع الصحية والإنسانية المتردية السائدة هناك. وبحسب ما نُقل إلينا، فإنه يعاني من نوبات متكررة من ضيق التنفس، ويضطر إلى استخدام البخاخ بشكل متواصل، وفي بعض الأحيان يُسمح له بالخروج من المهجع لالتقاط أنفاسه عندما تشتد عليه…

الأستاذ وليد جنبلاط المحترم تحية طيبة في الذكرى السنوية لاستشهاد المعلم والقائد الوطني صديق شعبنا الكردي وسائر الشعوب المناضلة من اجل الحرية الراحل كمال جنبلاط . لقد تعاملنا مع الشهيد عن كثب قبل ، وخلال الحرب الاهلية ، وكنا معه ومع قادة العمل الوطني في لبنان من مؤسسي الحركة الوطنية اللبنانية بزعامة تلك القامة العالية ، والعاملين في مختلف مؤسساتها…

د. محمود عباس لم يكن البيان الذي أصدرته وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان مجرد رد إداري على اتهامات أطلقتها وزارة النفط في بغداد، بل كان في جوهره محاولة لوضع النقاش في إطاره الحقيقي، بعيدًا عن السرديات السياسية التي تُصاغ أحيانًا لتغطية أزمات أعمق في بنية العلاقة بين المركز والإقليم. فالقضية المطروحة اليوم ليست مسألة تقنية تتعلق بتصدير النفط…