هل توجد منطقةٌ وسطى ؟

حسين جلبي

هل لا زالت هناك منطقة وسطى يمكن للنظام السوري، إذا توافرت لديه الرغبة، أن يذهب إليها، ليلتقي فيها بالشعب السوري القادم من حافات الموت، و الذي تجاوز شبابه في أيام قليلة عقوداً طويلة من حواجز الخوف؟ و من جهةٍ أخرى، هل لا زالت مثل هذه المنطقة موجودة في وعي هؤلاء الشباب، بحيث أن هناك إمكانية لإقناعهم بأن يرضوا بالتوقف فيها، ليلتقوا فيها بالنظام القادم من الضفة الأخرى، العليا؟ و هل النظام يفكر جدياً بالذهاب إلى وضع حلول وسط يحفظ للجميع كراماتهم؟ و هل لا زالت الأوضاع تحتمل أصلاً حلولاً وسطاً؟ أم أن مثل هذا الحل قد تم حرقه على مدى الأسابيع الماضية، و أصبح هدف كلا الطرفين إحتلال مواقع الطرف الآخر، بحيث أن الشعب السوري لن يرضى بنصف إنتصار، الذي يتضمن نصف هزيمة أيضاً، و يمكن أن ينقلب في أي وقت إلى أسوأ من هزيمة كاملة، كما أن النظام لن يرضى بدوره ـ و هذا ما يحاول إعطاء الإنطباع عنه و تسويقه ـ بنصف هزيمة حتى لو كانت شكلية، و كل ما يفعله الآن ليس سوى مراوحة في المكان، أو ترميم أقنعة، أو مجرد إلتقاط أنفس، ليعيد تموضعه بعد مرور العاصفة.
مرت على سوريا أحداثٌ كثيرة خلال الأسابيع الماضية يحتاج كل منها إلى التوقف عنده طويلاً، لكن الحدث المفصلي بعد إنطلاق الإنتفاضة الشعبية من درعا كان بلا شك فيديو قرية البيضا، حين قام علي عباس و أبو هادي و صابر عربو و رفاقهم بتصوير أنفسهم و هم ينكلون بشبان القرية بطريقة مرضية، وسط سيل من الشتائم و الهتاف لله و سوريا و بشار و بس، و دعوة الرئيس لعدم الإهتمام طالما عنده رجال مثلهم يشربون الدم.

إذ لم تشكل هذه الصور نقلةً حقيقية للحدث من المحلي إلى العالمي فقط، بل صفعة للوعي السوري الذي لم يكن قد إستيقظ بعد، و كان لا يزال يعيش أوهام الإصلاح.
و إذا كانت ساحة البيضا هي المنطقة الوسطى التي رغب النظام أن يلتقي فيها مع شعبه بعد أكثر من شهرٍ من الإحتجاجات التي سقط فيها الكثير من الضحايا، فإن هذه الساحة، و مع و جود طرفٍ ثالث مشاهد، كانت نقطة الفراق الأبدي أيضاً، و لم يعد أي حديثٍ عن الإصلاح بعد ذلك ذو جدوى، خاصة بعد بقاء الأوضاع بعد كل تلك الأحاديث على ما هي عليه، و بقاء الأمور في متاهةٍ يحتاج الخروج منها إلى فك طلاسم و إحجيات من قبيل (إقرار مشروع مرسوم تشريعي) الواردة في بيان مجلس الوزراء السوري، و إن أي ممارسة للحقوق الإنسانية تكلف صاحبها غالياً، و إن رفع حالة الطوارئ، أو كما أصبح شائعاً (إلغاء قانون الطوارئ) ليس سوى سد للذرائع، فيستلزم رفعه الإمتناع عن الخروج للتظاهر، و كأن رفع حالة الطوارئ هي غاية بحد ذاتها، إذا تم بلوغها، ينبغي على الشعب أن يفرح رغم بقاء آثارها و الأوضاع الشاذة التي خلقها على ما هي عليه، بإعتبارها أصبحت من العادات و الأعراف .
لا زالت محاولات النظام السوري بإقناع العالم بوجهة نظره و تفسيراته للأحداث و بالتالي جره إلى منطقة منطقه دون جدوى، رغم أنه قد إستهلك مبكراً رزمة الحجج التي كان قد أعدها لمثل هذه الأوضاع، فقد طرح في التداول الإعلامي و بشكلٍ متتالي حزمة من المسببات للأحداث بدءاً من المندسين مروراً بالعصابات المسلحة وصولاً إلى السلفيين الذي يريدون إنشاء إمارة إسلامية، و كل ذلك على خلفية وجود مؤامرة و إستهداف، لكن بالمقابل يسجل للشعب السوري أنه إستطاع بشجاعته و صبره إقناع العالم بسلمية تحركه، و ها هو العالم ينسب كل عنفٍ حاصل للنظام السوري، فيطلب منه بإستمرار الكف عن إستعمال العنف، في إشارة إلى عدم إقتناعه بالرواية الرسمية.
الأكيد أن سوريا لم تعد (ضيعة ضايعة)، يقوم مخفرها بالتنكيل بشعبها ليصل صراخه إلى ما وراء البحار، و الأكيد أيضاً أن معجزة فقط هي ما يمكن أن يجمع النظام و الشعب على كلمةٍ سواء، أو على مائدة واحدة، يتم فيها تقاسم ما لا يمكن تقسيمه على الإثنين: الحرية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جمال ولو ​بعد خمسين عاماً من معايشة الوجع الكردي، لم أتوقف يوماً عن القراءة في الكتب العلمية والاستماع بإنصات لكل من النخبة والجماهير، مؤمناً بأن واجبي الإنساني والقومي يفرض عليَّ أن أكون تلميذاً دائماً للحقيقة. ومنذ أكثر من نصف قرن، دأبتُ على جمع خلاصة الفكر الإنساني والسياسي في مكتبتي الخاصة، وحفظتها كأمانة للتاريخ. ​اليوم، ومع سقوط النظام البعثي الأمني وهروب…

عبدالجابرحبيب الشبهة بين النص والتراث في بعض زوايا التراث، حيث تختلط الرواية بالتاريخ وتتشابك اللغة بظلال الأزمنة القديمة، تظهر بين حينٍ وآخر نصوصٌ تُقتطع من سياقها لتتحول إلى مادةٍ لإثارة الشبهات. ومن تلك النصوص ما يُتداول من روايات تزعم أن «الأكراد حيٌّ من أحياء الجن كشف الله عنهم الغطاء»، أو ما ورد في بعض الكتب من كراهية مخالطتهم أو الزواج…

د. محمود عباس في المراحل الهادئة نسبيًا، يبقى النقد ضمن حدود السجال السياسي. لكن في لحظات التوتر والانكسار، يتغير مناخ الخطاب. ما كان يُقال بوصفه ملاحظة أو مراجعة، يُعاد تفسيره بوصفه اصطفافًا، ثم يتصاعد ليصبح تهمة، وأخيرًا يتحول إلى كراهية صريحة. هذه الظاهرة ليست جديدة في التجارب السياسية، لكنها في السياق الكوردي في غربي كوردستان أخذت طابعًا أكثر حدّة في…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* صباح الأحد الأول من مارس، قالت رئيسة البرلمان الأوروبي في أول رد فعل عالمي على موت خامنئي: «يجب أن تكون نهاية آية الله علامة على نهاية عصر الدكتاتوريات في إيران». الدكتاتورية الدينية استولت الدكتاتورية الدينية على مقاليد الأمور في إيران عام 1979 بالخداع والشعارات البراقة. وبدأت عملها بقمع الحريات واستمرت بقتل المطالبين بالحرية. ووسعت دكتاتوريتها من خلال…