الشيء بالشيء يُذكر (وراء الأكمة ما وراءها مما يخبئه النظام !)

  بقلم المحامي محمد سليمان

   1 ـ  كثيراً ما كان الطلبة الموفدون إلى دول أوروبا الشرقية قبل التسعينات من القرن الماضي , يُشَبِّهون الإعلام الرسمي السوري بإعلام تلك الدول , مع كل ما لهذا التشبيه من معانٍ ودلالات .

وكنا نتفق معهم حينه على أن إعلامنا مضلل ومخادع وشعاراتي وكاذب , ونعتبر انتقاد الموفد لإعلام الدول المذكورة شأنٌ خاصٌ به وأن العلة في شخصه هو لا في الإعلام المنتقد , رغم عدم معرفتنا وجهلنا بالإعلام المذكور , لانحيازنا الضمني إلى تلك الدول كونها دول اشتراكية ليس إلا , مع تقيمنا المسبق وتحبيذنا لتلك الدول نظرياً , على ضوء الكتب الماركسية اللينينية , وكان من المستحيل أن نصدق أن دولاً اشتراكية بهذا العدد الكبير وبهذه القوة العسكرية الجبارة المجابهة للمعسكر الغربي بكل جبروته , غير وفية لشعاراتها الاشتراكية.

   فقط ما كان يؤلمنا هو تصرف تلك الدول المعاكس لموضوع لينين حول حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها.

وكنا نعتقد أن العلة في شعبنا نحن وليست في المعسكر الاشتراكي , دون معرفتنا لما كان يجري داخل تلك الدول , إلى أن سقط القناع وذاب الثلج وبان المرج .

   فضرب الزلزال تلك الدول جملة وفرادى وتجاوز آثاره التدميرية كل أيديولوجياتها وأنظمة حكمها وحدودها السياسية , لتفككها وتعيد تركيبها من جديد.


   كان ذلك عقاب الشعوب على كذب أنظمتها الحاكمة , فلم تنفعها تقنيتها العسكرية وجيوشها الجرارة القادرة على تحطيم الكون بأجمعه , فسقط قناع تلو قناع, وسقط نظام تلو نظام .

واستعاد البشر حريتهم المغتصبة تحت غطاء أضخم الشعارات الكونية على الإطلاق على الصعيدين الداخلي والخارجي .

ومن يومها لم نسمع من حكوماتها التي تشكلت فيما بعد أية شعارات تتجاوز حدود تلك الدول .


   وما أشبه اليوم بالبارحة.

وما قنابل الكذب العنقودية التي أطلقتها السيدة الفاضلة المستشارة (وجه النظام الأبدي) والشيخ الجليل البوطي ((الذي أتمنى له ما تمنى هو لنفسه في قناة الصوفية الفضائية الأمنية السورية بقوله منذ أربعة أشهر: ( أتمنى أن أكون إصبعاً في يد حسن نصر الله)) .

ما هذه القنابل إلا ذرة من رماد أمام القنابل الإعلامية المماثلة التي كان يطلقها أشباههم , قادة دول أوروبا الشرقية المتشدقين حينها بجهودهم الحثيثة في مكافحة الإمبريالية العالمية , وفي الوقت نفسه إبداعهم وتفانيهم في ترسيخ وتثبيت حكمهم الفردي المخابراتي المطلق ودعمهم ومساندتهم لجميع أشباههم من الأنظمة الفردية الاستبدادية في المنطقة العربية  تحت مختلف الحجج الباطلة .
   زال معلمو الاستبداد جميعاً في أوروبا الشرقية والأشباه في المنطقة العربية بهم لاحقون , وتلك (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ) .

(الآية 62 الأحزاب) .

    

   2 ـ  ما أشبه المراسيم التشريعية التي يطلقها (السيد الرئيس) إلا بتصرفات المريض مرض الموت , وما المرسوم رقم 49 تاريخ 7-4-2011 المتقصد إصداره في ميلاد البعث (القاضي بمنح المسجلين في سجلات أجانب الحسكة الجنسية العربية السورية) والذي يحمل البصمة الأمنية لجهة التماثل الرقمي لكل من القانون 49 تاريخ 7-7-1980 (القاضي بإعدام كل منتسبٍ إلى جماعة الإخوان المسلمين) والمرسوم رقم 49 تاريخ 10-9-2008 (القاضي بإبطال وقيد كل الأعمال القانونية المتعلقة بالعقارات في المناطق الحدودية) .


   وما التقصد من تكرار الرقم 49 إلا ديماغوجية واستهتار بمشاعر الشعب السوري بأجمعه , وهل شحت الأرقام , أم هي ذهنية القمع النفسي والسادية الأمنية السائدة الموحية بحساسيتها اليقظة في استمرار الضغط النفسي ولو رقمياً وذلك أضعف الإيمان منها بأنها لا توفر حتى الأرقام في إيذاء الشعب .

أم أنها تحاول من خلال تكرار هذا الرقم غسل سلوكها النفسي الشاذ من دلالات الرقم للمجازر التي ارتكبتها في ظل الرقم المذكور , أم أن الرقم يقرب إلى ذهنها التشبه بغسيل الأموال بالتخلص النفسي من سلبية الرقم 49  .


   الدلالات الرقمية توحي بأن وراء الأكمة ما وراءها مما يخبئه النظام ! .

والدلالة الزمنية التوقيتية , توحي بمضمون المادة الثامنة من الدستور العتيد , فهل فهم الشعب مجدداً دلالات القيادة الحكيمة واستوعبها ؟! وهل استلزم تعليق تنفيذه كالمرسوم 41 لعام 2004 (الذي لم يصدر تعليماته التنفيذية لغاية اليوم) بوجوب إصدار وزير الداخلية لقرارات قد تخالف تنفيذه أو تنفذه وفق الظروف المستجدة لاحقاً , وهل يجرأ وزير الداخلية مخالفة الإرادة الأمنية , إذا ما طلبت منه إصدار التعليمات التنفيذية الجاهزة مسبقاً باسمه , كخطب الجمعة المطبوعة والموزعة مسبقاً , وهل الشعب بهذه السذاجة من أنه لا يعرف مسبقاً , أن التعليمات التنفيذية إنما جهزت وحبكت مع صياغة المرسوم , إلى أن تأذن الإرادة الأمنية لوزير الداخلية بإصدارها أو عدم إصدارها في التوقيت الذي سيُحدد له ويؤمر بإصدارها !؟ .
  8-4-2011
M.Sileman@hotmail.com

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين من تجربتي الشخصية في مجال الكتابة حول الحركة القومية – الوطنية الكردية السورية، حيث تناولت مبكراً مسألة تشخيص أزمة الحركة وسبل حلها، والإحاطة بعواملها الذاتية والموضوعية، وأسبابها الداخلية والخارجية برؤية نقدية، شعرت بلامبالاة إلى حدود تجاهل معظم النخب المثقفة، بل صدر من البعض رفض قاطع لوجود أية أزمة، وأن الحركة بخير، وكل…

أليسا شابلوفسكايا النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود ” أليسا شابلوفسكايا: معهد باريس للدراسات السياسية (حرم لو هافر الجامعي)” ( يبدو أن قراءة هذا المقال صالحة لقرن قادم وأبعد كُرْدياً. المترجم ) جدول المحتويات 1-“تجنيد” السكان الكُرْد كأصل استراتيجي 2- الكُرْد كقوة موازنة للنفوذ الأرمني المتزايد 3-الكُرْد كآخر على هامش الإمبراطورية 4- خاتمة   رغم أن الاهتمام الروسي بالكرد كان عاملاً…

كفاح محمود في الطب، لا يُعد النزيف مرضًا بحد ذاته، لكنه من أخطر مضاعفات الأمراض والإصابات، فالإنسان قد يحتمل الألم، ويقاوم الحمى، ويتعايش مع كثير من العلل، لكنه لا يستطيع أن يعيش طويلًا إذا استمر بالنزف، والأخطر أن بعض أنواع النزيف تكون داخلية، لا تُرى بالعين، ولا يشعر بها المريض إلا بعد أن يفقد جزءًا كبيرًا من قوته، وهذا ما…

د. محمود عباس إن تعمّد جانب من الإعلام السوري والعربي، وفي مقدمته الجزيرة والعربية والحدث، تصغيرَ ما جرى في سري كانيه وعفرين، وما يتكرر من اعتداءات في مناطق أخرى من غربي كوردستان، مقابل تضخيم إسقاط شابين كورديين للعلم السوري وتحويله إلى «الجريمة الكبرى»، يكشف اختلالًا فاضحًا في المعايير. فالعلم يُفترض أن يكون رمزًا لجميع السوريين، لا راية لجماعة تتوهم أن…