الصّمت السّلبي الأحزاب الكردية والسلطة

  أياز بلو

الأجواء القلقة التي تعيشها سوريا عامة والمناطق الكردية خاصة، بعد الاحتجاجات الحاشدة في عددٍ من المدن السورية، وقيام النّظام باستخدام مفرطٍ للقوة ضد المتظاهرين، الأجواء تلك، تفرض معادلاتٍ مغايرة على النّظام والمعارضة، ومنها ما يمكن أنْ نسميها المعارضة الكردية.

يحاول النّظام كسب الوقت واللّعب على حبالٍ مختلفة، من كذبٍ واحتيال، للسيطرة على الوضع، وتضخُّ دعاياتها الغوبلزية كلَّ ما لديها لتجميل وجه النّظام، وحشدِ الدعم له من الداخل والخارج، وإبرازِه كنظام ذي قاعدة شعبية عريضة، محاولةً في الوقت نفسه إقناع الناس بأنّ ما حصل في الشارع (المدن الهادرة) أحداثٌ عَرَضية افتعلتها عصاباتٌ تسعى لزعزعة الاستقرار نتيجة مواقف النّظام الوطنية(المقاومة والممانعة).
وفي هذه الأجواء نجد أن الشَّارع الكردي، الهادئ عموماً، والمحايد في صمته، ليس راضياً بما يجري، وهدوؤه وصمته السّلبي يصبّ في مصلحة النّظام، وربما سينفجر كبركانٍ خامد، إذا حاول البعض التظاهر كما في جمعة الشهداء.
النّظام من جانبه تجاوزَ القوى السّياسية الكردية لتستدعي بعض الرموز العشائرية التي لم يعد لها أيّ تأثير في الشارع الكردي، ولا في توجيه الشباب، وكانت تلك العشائر وعلى مرّ السنين الطوال تقف قرب النظام، وتغازله منتهزة فرصة وجود العناصر الأمنية الفاسدة المُفسِدة التي تتقبل الرشاوي، من أجل تمرير مصالحها الاقتصادية، والأمثلة كثيرة، ولا يخفى على أحد مدى التقارب بين تلك الوجوه و تلك الأجهزة، وهكذا تجد الحركة الكردية نفسها خارج اللعبة، مُستبْعَدة من كل حوار.

فالنّظام يريدُ تحييد الكرد مجانياً من خلال العشائر.

ومعروفٌ أنّ الأنظمة الشّمولية ذات التفكير الأمني لا تجد غير نفسها في الساحة السياسية، ولا تعرف حلاً سوى القمع والتنكيل وكم الأفواه، والاعتقال، واستخدام العنف المفرط، هذه هي أدوات الحوار لدى النظام السوري، لذلك يحق للداعية والبوق البوطي أن يلوم كلَّ منَ رفضَ الحوارَ مع النظام، متناسياً أن النّظام لا يتحاور، ليس لديها سوى القتل والعنف، فماذا أفادَ نفاقُهُ الفاقع خلال عقودٍ طوال؟
فالأحزاب الكردية أصبحت الآن في حيرة من أمرها، فلا هي مقبولة من النّظام ليُثبتَ لها موطئ قدمٍ، ومنعزلة إلى حدٍ كبير من الشعب الكردي نتيجة ممارساتها الخاطئة، وانشغال معظم التنظيمات بخلافاتها الداخلية غير المبررة،  لتبقى قياداتها الأبطال في مواقعها، ومعظم تلك القيادات وللأسف لا علاقة لها بالسياسة، أمية وجاهلة وانتهازية إلى حدّ الخوف، ولا تستطيع تلك القيادات إجراء حوارٍ حول حقوق الكرد مع صحفيٍّ مبتدئ أو مراسل جديد لأي فضائية.

والخوف يفرض نفسه على الشّارع الكردي، الذي أصبح بلا توجيه، وفاقداً البوصلة التي تدلّه إلى الوجهة الصحيحة، وخوفه مشروعٌ للغاية، فقد تضيع الفرصة وتضيع معها كلّ الحقوق الكردية، حيث يختزلها النّظام في الإحصاء فقط.

لكن في نهاية الأمر يبدو أنّ الشارع الكردي سيفرزُ ما لم يكن في البال ولا في الخاطر، ربما ستظهر قوى جديدة من الحراك المتوقع، ومن رحم الأزمة السورية عامة والكردية خاصة، عندها سيكون للموقف حديثٌ آخر.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…