« تضامن أممي » من نوع جديد

صلاح بدرالدين

     في باكورة انفتاحنا ونحن ضمن صفوف الحركة القومية الديموقراطية الكردية على الفكر الماركسي كان الدرس الأول الذي تعلمناه هو أن الحركة الثورية العالمية بقواها الثلاث : دول المنظومة الاشتراكية والحركة العمالية والشيوعية في الغرب الرأسمالي وحركات التحرر الوطني في العالم الثالث تصب في مجرى واحد وتجتمع على هدف واحد وهو تحرير البشرية من الاضطاد والاستغلال وبناءالنظام الاشتراكي العادل الذي ينتفي في ظله كل أنواع القهر والتمييز بسبب العرق والجنس واللون والمعتقد
 لذلك ومن اجل تحقيق الانتصار لابد من التعاون والتنسيق وتقديم الدعم والاسناد للبعض تحت الشعار الاستراتيجي المبدئي الثابت ” التضامن الأممي ” واذا كان عامل الآيديولوجيا قد لعب الدور الرئيسي في التواصل بأشكال مختلفة بين ممثلي القوى الثلاث وقيام القوة الأكبر والأكثر امكانية وأعني الدول الاشتراكية وفي المقدمة الاتحاد السوفييتي بتقديم اشكال الدعم المادي والمعنوي والعلمي والاقتصادي الى درجة أن موضوع المساعدات المتنوعة أصبح وكأنه واجب وفرض عين بقوة المبادىء وليس بدافع مصالح ضيقة وهناك تاريخ طويل حافل تلقى فيه العديد من نظم التحرر الوطني الحديثة في افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية الدعم الاقتصادي والعسكري والثقافي والصحي من العواصم الاشتراكية كما نالت الأحزاب الشيوعية قسطها من المساعدات والحماية ولم تكن حركات التحرر ببعيدة من تلك العطاءات – الأممية – ان كان في مجال تهيئة كوادرها والحصول على أسلحة دفاعية ومعونات أو افساح المجال أمام الطلاب لتلقي العلوم والتربية الحديثة .
   وبمعزل عن تقييم نتائج وتأثير وجدوى تلك المساعدات في ظروفها الماضية المشخصة فقد كان في مقدمة الأطراف التي نالت المساعدات من مبدأ ” التضامن الأممي ”  في القرن الماضي وقبل توقف الحرب الباردة كوبا وفيتنام ومصر خلال العدوان الثلاثي ومن ثم ارسالية  السلاح التشيكي سلوفاكي , واليمن الجنوبي ومنظمة التحرير الفلسطينية والعديد من الأحزاب الشيوعية واليسارية والكثير من الشخصيات السياسية الديموقراطية في مختلف أنحاء العالم وفي ستينات القرن الماضي طالبت جمهورية منغوليا الاشتراكية ادراج معاناة كرد العراق على جدول أعمال الهيئة الدولية وذلك بقرار من المنظومة الاشتراكية ومن الواضح أن كل تلك المعونات والمواقف التضامنية السياسية والاعلامية والدبلوماسية لم تكن من حيث الدافع الأساسي في حسابات الربح والخسارة والفائدة الاقتصادية بل كانت غالبيتها كهبات من منطلق التعاون في اطار النضال المشترك وتحقيق الهدف الواحد كما ذكرنا أعلاه .

 الآن ونحن على أعتاب القرن الجديد وفي بداية عقده الثاني يتجلى ” التضامن الأممي ” بأشكال أخرى ويصدر من قوى أخرى أيضا كانت في ما مضى وحسب معادلة الحرب الباردة والصراع بين الشرق والغرب في الخندق المعادي وفي مواجهة ماكان يمثله هذا الشعار الاستراتيجي من قيم وأهداف ففي المرحلة الراهنة وفي خضم الموجة الرابعة لانتفاضة شعوب الشرق الأوسط المندلعة بهدف اسقاط أنظمة الاستبداد والظلامية ومن أجل التغيير الديموقراطي السلمي واعادة بناء الدولة الحديثة نشهد اهتماما عالميا واسعا من جانب الدول الغربية والديموقراطية والرأي العام الحر في العالم كما أن الدولة العظمى والدول الكبرى بدأت تقف بشكل حاسم في صف الشعوب وأهدافها وشعاراتها السلمية وتدير ظهر المجن لأصدقائها من الحكام الدكتاتوريين بل تطالبهم بالرحيل الفوري اليوم وليس غدا وهذا تحول عميق في معادلة الصراع العالمي وقواعده المرسومة منذ الحربين العالمتين ليس ذلك فحسب بل تبدي كامل استعدادها لتقديم المساعدة السياسية والعسكرية والتدخل الجوي والصاروخي لردع قوى الأنظمة الآيلة للسقوط اذا طلبت الشعوب ذلك مع تجنب التدخل الميداني أو اجتياح الأراضي بالاضافة الى الاعتراف بممثلي الثوار والمنتفضين أيا تكن اتجاهاتهم السياسية والتحاور معهم كاطراف شرعية تمثل الارادة الشعبية وقد تجلى هذه التحول سياسيا حول تطورات تونس ومصر واليمن والبحرين وسوريا لاحقا وعسكريا في ليبيا بعد أن بدأ النظام بقتل الناس وتوجيه النيران الى المدن والبلدات .
  هكذا نرى أن هناك تحولا – أمميا – في مجال التضامن لصالح الشعوب وحركاتها التغييرية وانتفاضاتها السلمية للانتقال الى فضاء الحرية والكرامة الوطنية وهذا التحول يشكل أحد علائم كسر حاجز الخوف وطمأنة الشعوب على أنها لن تكون في نهاية المطاف فريسة سهلة للجلادين وأنظمة الأمن والمخابرات التي ليس لديها الآن سوى أدوات القمع والترهيب .
   ان ما يؤهل الانتفاضة السلمية السورية المنشودة لكسب دعم واسناد المجتمع الدولي بصورة أفضل وأكثر تأثيرا هو شموليتها لتغطي سائر المناطق وتتمدد من درعا الصامدة الى سائر المدن والبلدات في الوسط والشمال والشرق والغرب وقد جاء الوقت الذي لايجوز فيه التردد حتى أن كل التقديرات الصادرة من المؤسسات البحثية ومن كبار السياسيين والمؤسسات الاعلامية ومن مراكز الدراسات ورصد الآراء والمواقف تؤكد على تراجع النظام السوري ودنوه من نقطة السقوط والانهيار بعد أن تلوثت أياديه مرة أخرى بدماء الرجال والشباب في درعا .
   ان التاريخ بانتظار الشباب الكردي ليسطر فصوله بنور المجد في القامشلي وكوباني وعفرين وفي سائر أماكن التواجد بالتكاتف والتنسيق والتضامن مع سائر شباب سوريا عربا ومكونات أخرى ان الشعب بانتظار ملاحمكم البطولية ومسيرتكم الظافرة .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…