لم يعد للرئاسة ذلك البريق!

حـسين جلبـي

لم يعد كرسي الرئاسة مطمحاً و مطمعاً في الشرق هذه الأيام، بعد أن أصيبت الشعوب بفايروس التغيير، الذي حطم جهازها المناعي وقضى على خوفها العظيم، كما كسر مناعة الحكام أيضاً، وأصاب طمأنينتهم في مقتل.

فما الذي إستجد وقلب الآية رأساً على عقب، ودفع الجميع، حكاماً ومحكومين، إلى الخروج على نواميس تربوا عليها لعقود طويلة؟

لقد أصبح الحكام يهرولون خلف الشعوب لأرضائها، لكن هذا الرضا أصبح بعيد المنال، بعد أن أصبحت الشعوب (خارج التغطية)، تغطية الحكام، في حين كان هذا الشعب نفسه يلهث خلف الحاكم بأمره، يدعي له بالبقاء و طول العمر، وكان أقصى طموحه ـ الشعب ـ أن يحظى بلفتةٍ أو إبتسامة من الحاكم، أو يحظى بشرف الوقوف ببابه و لثم يديه الكريمتين، ويقضي حياته متنقلاً بين مناسباته السعيدة ليسمعه يقول: أيها الشعب العظيم… فيدمي هذا يديه تصفيقاً، وترتفع الدماء في رأسه.

اليوم يعض الشعب اليد نفسها التي تُمدُ له، لا بل يقوم بكسرها إذا إستطاع إلى ذلك سبيلا.
لقد تمرغ مقام الرئاسة في التراب، و تعفر الحاكم بـِذُل التنازلات، وتحول كُرسيه من ريش نعـامٍ إلى جلد قنفـذ.

 
اليوم يكاد الحاكم ينفق كل ما كدسه خلال أعوامٍ طويلة على شكل عطايا و مكرمات و هدايا، ويعجز رغم ذلك عن بلوغ أدنى درجات رضى الشعب، في حين أن هذا الأخير لم يكن ليحلم بقطرةٍ من نهر المال أثناء جريانه بإتجاه مصبه الوحيد: بيت مال الحاكم.
اليوم لم يعد الحاكم يجرؤ على صفع أحد في عتمة الليل، بعد أن كانت حفلات الشتم و الركل والدعس وحتى الإعدامات تتم في وضح النهار.


يقسم الحاكم بأغلظ الإيمان بأنه على طريق الإصلاح فلا يصدقه الشعب، وكان الأخير، قبل قليل، هو المتهم الأبدي، المطلوب منه في كل حين أن يبرهن على إخلاصه و وفائه و صلاحه، وإنه جدير ببسطار الحاكم.

يزيد الحاكم من جرعة وعوده، فيستيقظ على شعار: الشعب يريد إسقاط النظام، وينام ـ هذا إذا كان ينام أصلاً ـ على شعار: الشعب يريد محاكمة النظام .


 هل يستطيع أحدٌ في جنبات الأرض أن ينكر ما يحدث اليوم؟ إن ما يحدث يُخرج حتى الميت من ميتته، فكيف بالصامت وهو يمتلك حواسه بعد أن أضيفت لها حاسة الفيس بوك.
فصوت الشعوب عبر شبكات التواصل الإجتماعي بلغ حتى الأموات، فكيف بالذين لا زالوا يعيشون على الأرض، حتى لو كانوا في برجٍ عاجي.
الأكيد أن الرئاسة لم تعد شهرُ عسلٍ أو رحلةٌ ترفيهية أو وليمـة عائلية، بل أصبحت مرةً كالعلقم، كالسفينة المثقوبة، يسرع الجميع إلى القفز منها، حتى لولم يكن ينتظرهم سوى بحرٍ هائج، يعلوه بعض القـش الذي لا يمنع من الغرق.


لكل ذلك، ولأن المفاهيم قد إنقلبت، ولأن الشعوب قد جُنت، والحكام قد إحتارت، و جدران الخوف قد إنهارت، بسببٍ من تساوي الموت و الحياة لدى المحكومين، لم يعد أحدٌ يرغب بإمتطاء دبابته ليجثم بها ومعها على ذلك الكرسي، و يوجه فوهتها إلى رأس شعبه، ويمطر حياته بالبيانات، من الولادة حتى الممات، كما لم يعد يرغب من تلقاه ـ الكرسي ـ من حيث لا يدري، بالحفاظ عليه بعد الآن.
سمعت أحدهم، أحد الذين كرسيهم على صفيحٍ ساخن الآن، يقول اليوم حرفياً: لقد سئمت الرئاسة، لا أحد يريد أن يكون رئيساً، الرئاسة مغرم.

و سمعته بالأمس يقول: لا تجديد، لا توريث، لا تصفير للعدادات.
لماذا؟
لأن الرئاسة أصبحت مصدراً للصداع، وأصبح الكرسي مصدراً للمتاعب، و لذلك أصبح الجالس عليه يبحث عن أقصر الطرق وأنجعهـا للشفاء منه و الفكاك عنه، وذلك قبل أن تأتيه الوصفة الشعبية المعروفة: آخـر الدواء الكـي.

محامي سوري مقيم في ألمانيا

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبداللطيف محمد أمين موسى تُشير كافة التقارير والأبحاث والدراسات المتعلقة بالأمن الاستراتيجي والقومي، الصادرة عن أهم مراكز الأبحاث والدراسات وخبرائها، إلى إمكانية عودة التصعيد الشامل، وبصورة أكبر وأكثر تأثيراً، إلى المنطقة. كما تؤكد أن هذا التصعيد سيختلف عن حرب 12 يوماً وحرب 28 فبراير من حيث التأثير على أمن المنطقة وأمن الطاقة، بسبب تعقيدات هذه الأزمة، ولاسيما الأبعاد…

فيصل اسماعيل على امتداد العقود الماضية، لم تكن العلاقة بين الكرد وبعض عشائر الجوار العربية مجرد خلافات عابرة فرضتها ظروف سياسية مؤقتة، بل مرت بمحطات تركت جراحًا عميقة في ذاكرة أبناء المنطقة. فمنذ تطبيق مشروع الحزام العربي، مرورًا بأحداث قامشلو عام 2004، ثم سنوات الحرب السورية، تراكمت أحداث ساهمت في تعميق فجوة الثقة بين الجيران، ودفعت ثمنها جميع المكونات دون…

يتابع منتدى الكلمة الحرة بقلق بالغ الدعوات إلى إقامة خيمة حرب في بلدة الميلبية جنوب محافظة الحسكة، ويؤكد أن مثل هذه الخطوات لا تخدم مصلحة الوطن، بل تعيد إنتاج خطاب الصراع والانقسام في وقت يحتاج فيه السوريون إلى ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش. لقد أنهكت سنوات الحرب أبناء سوريا جميعًا، وخلفت مآسي إنسانية وخسائر كبيرة، ولم يعد هناك ما يبرر العودة…

كفاح محمود في الطب، لا تُعد الحمى مرضًا بحد ذاتها، بل رسالة يبعثها الجسد ليقول إن شيئًا غير طبيعي يحدث في داخله، إنها إنذار مبكر، يعلن أن معركة تدور بين جهاز المناعة وسبب خفي، قد يكون فيروسًا أو بكتيريا أو التهابًا، لذلك لا ينشغل الطبيب بخفض الحرارة وحده، بل يبحث أولًا عن مصدرها، لأن اختفاء الحمى لا يعني دائمًا زوال…