دهام حسننشأت الدولة في حقبة زمنية ما، جراء التناقضات الاجتماعية، وستختفي في يوم ما، فهي لم تكن موجودة منذ الأزل، ولن تستمر في الوجود إلى الأبد.
هذا ما يؤكده غالبية علماء الاجتماع.
فقـد كانت الإقطاعية تتلبس بلباس الدين، أدين توماس هوبز لـدعوته بأن ” كل سلطة مـدنية هي من أصل مجتمعي دنيوي وليس حقا لاهوتيا كونيا ” لقد دعا هوبز وسبينوزا إلى شمولية السلطة حتى لو عارضت تـوجـهات الكنيسة؛ بل لابـد للكنيسة ـ برأيهما ـ أن تخضع للدولة.
وهـذا ما يخالف تعويـذة القديس أوغسطين الـذي كان يرى أن ” السلطة القائمة معطاة من الله فمن يعصاها إنما يعصى الله ويجلب على نفســه اللعـنة” ثم جاء جان لوك الـذي رأى السلطة نتيجة تعاقد اختياري وليست أمـرا إلهيا يقسر العباد عليه وبعـد ذلك نشر جان جاك روسو في عقـده الاجتماعي تلك المفاهيم التي أصبحت شائعة ومتـداولـة كالدستور والشعب والأمة والمساواة القانونية وفكرة المواطنة وحقوق المواطن والحرية…إلخ، كل هـذا مهـد للثورة البرجوازية والصناعية فتحررت أوربا من ربقة المجتمع التقليدي القـديم وتحقق فيها تطور وتنمية غير مسبوقين لتبلغ بالتالي شأوا، مازال مثار إعجاب وتقدير ودراسة لـدى العاملين في حقول العلوم الاجتماعية.
لقد ظهرت ملامح هذه الدولة في أحضان الإقطاعية تحت ظل السيطرة العثمانية حيث سعت إلى بعض الإصلاحات تلافيا لعواقب التذمر والاستياء اللذين عما أرجاء السلطنة، مع دور يكاد لا يذكر للبرجوازية الناشئة الضعيفة، حيث كانت السلطنة تابعة بمقتضى الحال للرأسمالية الأوربية.
فغالبا ما تشكلت الدول القومية ضمن ميول احتكار السلطة وروح معاداة الديمقراطية، فقد جرى اختزال السلطة فـي أجهزة أمنية حتى سميت بعض الأقطار بالدول الأمنية؛ فانشل المجتمع، وغيبت المواطنة وسرى الخوف والرعب بين المواطنين ، وانتفت معاني التضحية مع انتشار روح الأنانية والذاتية، وغاب نداء الواجب والإحساس بالمسؤولية، وغـدا جمع الثروة هو الذي يتحكم في سلوك الأفراد، ويحرك غرائزهم، وأصبح الافتراء والتزلف والنفاق والكذب سمة الإنسان المقهور والمنافق كوسيلة لنيل رضا السلطان.
قارنوا هذه الحالة بما كتبه رحالة فرنسي جاب روسيا القيصرية في النصف الأول من القرن التاسع عشر بحالة مشابهة من الخوف المطبق الذي عم أرجاء روسيا يقول:” الكذب هـو البرهنة عن مواطنة صالحة، وقول الحقيقة يعني التآمر .”
إن الدولة الحديثة، هي دولة المواطنة، هي دولة ترتكز على إرادة مواطنين أحرار، ترعى الدولة حقوقهم، وتكفل حرياتهم، وحتى تكون الدولة لجميع المواطنين فلا بد أن تكون ديمقراطية،تتمثل فيها سائر الحركات الاجتماعية والسياسية وتتمتع هذه الحركات بحرية الحركة والنشاط والتعبير والتنظيم.
الدولة الحديثة هي دولة المؤسسات دولة القانون ، يكون القانون سيد الجميع والشعب مطالب بأن يحارب من أجل سيادة القانون كما يحارب من أجل سور المدينة حسب تعبير هيراقليط، مثل هذه الدولة عصية على الاختراق من قبل أي عات، لأنها محصنة من الداخل بسياج المواطنة أما الدولة التي تستعبد مواطنيها، وتفقدهم حرياتهم، وترمقهم بنظرة استبدادية تمييزية؛ مثل هـذه الـدولة سهل اختراقها؛ لأن المستعبد يعجز عن حماية الأوطان كونه لا يملك شيئا يدافع عنه.
بـل الدولة لذاك الذي له دار وأرض وصوت بتعبير فولتير أي حق المشاركة في تسيير شؤون البلاد أجل! إن المستعبد لا يمكن له أن يقوم بحماية
الديار كونه يفتقد ميزتين من موجبات الحياة الحرة الكريمة هما الملك والحرية..
ألم يقل لعنترة كــرّ وأنت حــرْ ..!






