مقالات

هل انتهت وظيفة الجولاني؟ سوريا أمام المرحلة الأخطر

د. عدنان بوزان

منذ سقوط نظام بشار الأسد، لم أتعامل مع صعود أحمد الشرع، المعروف سابقاً بأبي محمد الجولاني، إلى دمشق بوصفه مجرد انتقال عادي للسلطة من نظام إلى سلطة جديدة، ولا أعتقد أن فهم المشهد السوري يمكن أن يتم من خلال قراءة داخلية منفصلة عن الصراع الإقليمي والدولي الذي حكم سوريا طوال السنوات الماضية. فالشرع لم يصل إلى دمشق في فراغ سياسي، ولم تبدأ حكايته لحظة دخوله العاصمة، وإنما جاء إلى السلطة في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، كانت فيها سوريا ساحة لتقاطع مشاريع دولية وإقليمية متناقضة، وكانت السلطة الجديدة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، جزءاً من إعادة ترتيب موازين القوى في المشرق.

ولهذا فإن السؤال الذي أراه أكثر أهمية اليوم ليس: هل ما زال أحمد الشرع رئيساً انتقالياً لسوريا؟ فهذا أمر واقع، وإنما: هل ما زالت الوظيفة السياسية التي أُسندت إلى هذه السلطة قابلة للاستمرار بالشكل الذي بدأت به، أم أن المرحلة التي كان يفترض أن تؤدي فيها دوراً معيناً قد وصلت إلى نهايتها؟ وهذا السؤال يصبح أكثر إلحاحاً عندما نضع التطورات السورية المتلاحقة في سياق واحد، بدلاً من النظر إليها كأحداث منفصلة.

فالسلطة الانتقالية التي يقودها أحمد الشرع استطاعت خلال الفترة الماضية تحقيق اختراقات خارجية مهمة، والانتقال من العزلة إلى الانفتاح الإقليمي والدولي، والحصول على اعتراف وتعامل سياسي واسع، كما رفعت عقوبات رئيسية عن سوريا وتوسعت علاقاتها الدولية. لكن الانفتاح الخارجي لا يعني بالضرورة نجاحاً داخلياً؛ فالاعتراف الدولي لا يطعم شعباً جائعاً، ولا يخفض الأسعار، ولا يعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. والدولة لا تقاس بعدد الوفود التي تستقبلها في دمشق، وإنما بقدرتها على تأمين الأمن والخبز والعمل والكرامة والعدالة، وبقدرتها على منح المواطن إحساساً بأن له مستقبلاً في وطنه.

وسوريا اليوم، رغم بعض مؤشرات التحسن الاقتصادي الكلي، لا تزال تعيش أزمة اجتماعية واقتصادية عميقة. فملايين السوريين ما زالوا يعانون الفقر وانعدام الأمن الغذائي، فيما ارتفعت تكاليف المعيشة بصورة تفوق قدرة قطاعات واسعة من الشعب على الاحتمال، وبقيت الأجور عاجزة عن ملاحقة الأسعار. ثم جاءت أزمة الوقود الأخيرة لتكشف هشاشة الوضع بصورة أكثر وضوحاً؛ فرفع أسعار الديزل والبنزين والغاز فجر احتجاجات في مناطق مختلفة من البلاد، وأُغلقت طرق وأُحرقت إطارات وارتفعت أصوات المحتجين في وجه السلطة. وعندما يصبح الوقود نفسه سبباً لانفجار الشارع، فالمشكلة لم تعد في سعر الوقود وحده، وإنما في اقتصاد فقد قدرته على حماية الناس من الانهيار.

وهنا أعود إلى الفكرة التي طرحتها في مقالي السابق: هل انتهت وظيفة الجولاني، أم أن هناك مرحلة أخرى لم تنفذ بعد؟

أنا لا أقول إن هناك وثيقة سرية تثبت أن أحمد الشرع أُحضر إلى دمشق لتنفيذ مجموعة محددة من التعليمات الخارجية، فمثل هذا الادعاء يحتاج إلى أدلة مباشرة. لكنني أقرأ المسار السياسي من خلال نتائجه وتقاطعاته وموازين القوى التي أحاطت به. ومن هذه الزاوية، أرى أن السلطة الجديدة لم تكن مجرد نتيجة داخلية للحرب السورية، بل جاءت في لحظة إقليمية كان فيها الصراع على النفوذ، وعلى مستقبل سوريا، وعلى علاقة دمشق بإيران وحزب الله والقوى المرتبطة بهما، وعلى مستقبل الحدود والممرات الإقليمية، جزءاً أساسياً من المشهد.

لقد تغيرت الخريطة الإقليمية بصورة هائلة منذ سقوط الأسد، ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا فعلت سلطة دمشق؟ وإنما أيضاً: ماذا كان مطلوباً منها أن تفعل؟ ماذا استطاعت أن تفعل؟ وماذا عجزت عن فعله؟

وهنا تكمن إحدى عقد المشهد السوري. فالسلطة الجديدة دخلت دمشق وهي تحمل إرثاً عسكرياً وأمنياً وسياسياً، لكنها وجدت نفسها أمام دولة مدمرة، واقتصاد منهك، ومجتمع متعدد المكونات، وقوى مسلحة قائمة، ومصالح إقليمية متضاربة، وشعوب سورية لا تريد استبدال مركزية بمركزية أخرى، ولا استبدال سلطة أمنية بسلطة أمنية جديدة. والأخطر من ذلك أن السلطة لم تستطع حتى الآن تحويل شعار «الانتقال» إلى عقد سياسي سوري جامع.

وقد جرى تقدم في بعض الملفات، ومنها إعادة ترتيب العلاقة مع القوى الكوردية، لكن هذا الملف نفسه تحول إلى واحد من أكثر ملفات سوريا حساسية. فالتطورات العسكرية والسياسية الأخيرة، بما فيها مسار إدماج المؤسسات والقوات التابعة لقوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة، لم تحسم جوهر القضية الكوردية، ولم تُنهِ الأسئلة المتعلقة بموقع الكورد في الدولة السورية الجديدة، وبالحقوق السياسية والثقافية واللغوية، وبطبيعة النظام السياسي وشكل توزيع السلطة والثروة.

وهذا بالنسبة لي ليس تفصيلاً هامشياً.

فالشعب الكوردي في سوريا لا يستطيع أن يتعامل مع المرحلة الجديدة باعتبارها مجرد عملية إدارية لدمج مؤسسات أو قوات؛ لأن القضية أعمق من ذلك بكثير. إنها قضية موقع الكورد في الدولة السورية، وحدود المركزية، وطبيعة النظام السياسي، والحقوق القومية والثقافية، وشكل توزيع السلطة والثروة، وضمانات عدم العودة إلى الدولة الأمنية المركزية التي أنتجت المأساة السورية أصلاً.

لا يمكن أن يكون الاندماج اسماً آخر للإلغاء، ولا يمكن أن تكون وحدة سوريا ذريعة لإعادة إنتاج مركزية دمشق. فالدولة الواحدة لا تعني بالضرورة السلطة الواحدة، والمركزية ليست شرطاً لوحدة البلاد، بل إن ما يهدد وحدة سوريا فعلاً هو الظلم والإقصاء واحتكار السلطة والثروة والقرار.

ومن هنا أرى أن ما يحدث في الشارع السوري لا ينبغي تفسيره فقط باعتباره احتجاجاً على سعر الوقود أو ارتفاع الأسعار. فالاحتجاج الاقتصادي قد يبدأ بالخبز والمحروقات، لكنه يتحول، عندما يفقد المواطن ثقته بالدولة، إلى احتجاج على طريقة الحكم نفسها. وهنا يصبح الفقر أخطر من مجرد مشكلة اقتصادية؛ لأن الفقر حين يقترن بانعدام الثقة يتحول إلى أزمة سياسية.

ولذلك أرى أن الانتقال السوري دخل مرحلة مختلفة: انتقل من سؤال إسقاط النظام السابق إلى سؤال قدرة النظام الجديد على إنتاج الدولة. وهذا هو الاختبار الحقيقي لأحمد الشرع.

فإذا كان المطلوب منه في المرحلة السابقة هو إسقاط منظومة الأسد وإعادة ترتيب موقع سوريا إقليمياً، فإن المطلوب منه الآن أكبر بكثير: بناء دولة يشعر فيها العربي والكوردي والسرياني والآشوري والدرزي والعلوي والمسيحي وسائر السوريين بأنهم مواطنون متساوون، لا جماعات تنتظر من يقرر مصيرها في دمشق. أما إذا بقيت السلطة محكومة بمنطق الغلبة، فإن الأزمة لن تكون أزمة حكومة، وإنما أزمة دولة.

ولا أرى أن الاحتجاجات الحالية يمكن فصلها عن هذا التحول. فقد خرج السوريون في أكثر من منطقة احتجاجاً على الأسعار والوقود وتدهور المعيشة، بينما ظهرت في الشمال الشرقي احتجاجات ذات أبعاد أخرى مرتبطة أيضاً بالحقوق الكوردية والتعليم باللغة الكوردية وشكل العلاقة مع المركز. وهذا يعني أن الشارع السوري لا يتحرك بسبب عامل واحد، وإنما نتيجة تراكمات متعددة: الفقر، وارتفاع الأسعار، وضعف الخدمات، وانعدام الثقة، والخوف من المستقبل، والخلاف على شكل الدولة، والصراع على الحقوق والسلطة.

وهنا أصل إلى أخطر نقطة في قراءتي:

قد تكون السلطة الانتقالية قد دخلت مرحلة تراجع الوظيفة السياسية التي حملتها عند وصولها إلى دمشق.

وهذا لا يعني بالضرورة سقوطها غداً، ولا يعني أن هناك تاريخاً محدداً لنهايتها. فالسلطات قد تبقى طويلاً رغم الفقر والاحتجاجات إذا امتلكت أدوات القوة والدعم الخارجي والقدرة على إعادة توزيع المصالح. لكن المؤشر الأخطر هو اجتماع عدة أزمات في وقت واحد: أزمة اقتصادية، وأزمة ثقة، وأزمة تمثيل سياسي، وأزمة في هوية الدولة، وأزمة في العلاقة بين المركز والأطراف، إلى جانب توترات أمنية واجتماعية مستمرة.

وعندما تجتمع هذه الأزمات، يتغير السؤال: ليس فقط هل تسقط السلطة؟ وإنما: أي شكل ستأخذه سوريا إذا عجزت السلطة عن إعادة بناء العقد الوطني؟

ومن هنا لا أستبعد أن تكون المرحلة المقبلة أصعب من المرحلة السابقة، لا لأنني أملك نبوءة سياسية، وإنما لأن المؤشرات القائمة تسمح بقراءة شديدة القلق إذا لم تحدث معالجة سياسية حقيقية للأسباب التي تدفع الناس إلى الشارع.

وقد يكون الخطأ الأكبر أن تتعامل السلطة مع كل احتجاج باعتباره مؤامرة، أو أن تتعامل المعارضة مع كل احتجاج باعتباره بداية ثورة جديدة؛ فكلا التفسيرين يختزل الواقع السوري أكثر مما يحتمل. هناك مصالح خارجية تتنافس على سوريا، وهناك في الوقت نفسه غضب اجتماعي حقيقي لا يحتاج إلى من يصنعه من الخارج. ويمكن للقوى الخارجية أن تستثمر في هذا الغضب، وأن تدفع به في اتجاهات تخدم مصالحها، لكن ذلك يختلف عن القول إنها صنعت الغضب من الصفر.

القوى الخارجية لا تحتاج دائماً إلى صناعة الأزمة؛ يكفيها أحياناً أن تجد أزمة قائمة فتستثمر فيها. وهذه هي النقطة التي يجب فهمها جيداً. فالجوع حقيقي، والغلاء حقيقي، وانعدام الثقة حقيقي، والخوف من المستقبل حقيقي؛ وفي المقابل، فإن قدرة القوى الخارجية على استثمار هذه الأزمات وتوجيهها لا يمكن تجاهلها.

ولهذا أرى أن سوريا تقف أمام احتمال خطير: أن يتحول الاحتجاج الاقتصادي إلى صراع سياسي، ثم يتحول الصراع السياسي إلى صراع اجتماعي ومناطقي، ثم تجد البلاد نفسها أمام دورة جديدة من العنف، ولكن تحت عناوين مختلفة عن عناوين الحرب السابقة.

وهنا تحديداً يجب أن ينتبه الشعب الكوردي في سوريا.

لا أعتقد أن المطلوب من الكورد انتظار ما ستفعله دمشق أو أنقرة أو واشنطن أو موسكو أو أي عاصمة أخرى، ثم اتخاذ موقف بعد أن تكون الوقائع قد فرضت عليهم. المطلوب هو الاستعداد السياسي والقانوني والمجتمعي لكل الاحتمالات، والتمسك بالحقوق، وبناء رؤية واضحة لمستقبل سوريا، وتجنب الوقوع مرة أخرى في محرقة لا يكون للكورد فيها قرارهم، وعدم السماح بتحويل القضية الكوردية إلى ورقة في صراعات الآخرين.

فالكورد السوريون ليسوا قوة احتياطية في مشروع أحد، وليسوا رقماً في معادلة إقليمية، وليسوا ملزمين بدفع ثمن أخطاء الآخرين.

والاستعداد للمرحلة القادمة لا يعني الدعوة إلى الحرب، بل يعني الاستعداد السياسي والقانوني والمجتمعي، وبناء رؤية واضحة لسوريا المستقبل: دولة لا مركزية، دولة مواطنة، دولة تعترف بتعددها القومي والثقافي، وتضمن الحقوق دستورياً، وتوزع السلطة والثروة بصورة عادلة، وتمنع عودة الدولة الأمنية بصيغتها القديمة أو الجديدة.

أما بالنسبة إلى أحمد الشرع، فإنني أعود إلى السؤال الأول: هل انتهت وظيفته؟

أقول: ربما يكون من المبكر إعلان نهايتها كحقيقة ناجزة، لكن من الخطأ أيضاً افتراض أن الوظيفة التي بدأت بها مرحلته ستبقى هي نفسها إلى الأبد. فالسياسة لا تحافظ على الأشخاص في مواقعهم لمجرد أنهم وصلوا إليها، وإنما تحافظ عليهم قدرتهم على التعامل مع التحولات التي صنعتها المرحلة.

وإذا كان الشرع قد وصل إلى دمشق بوصفه رجل مرحلة، فإن ذلك لا يعني أنه سيكون بالضرورة رجل المرحلة التالية. فقد تنتهي وظيفة السياسي قبل أن ينتهي وجوده في السلطة، وقد يبقى في موقعه بينما تكون وظيفته السياسية قد تغيرت، وقد يتحول من أداة في إعادة ترتيب المشهد إلى طرف في أزمته.

وهذا هو الاحتمال الذي أراه جديراً بالمراقبة الآن.

إن سوريا لا تحتاج إلى تبديل أسماء فقط؛ تحتاج إلى تبديل قواعد اللعبة. فإذا بقيت الدولة مركزية، والسلطة فوق المجتمع، والاقتصاد عاجزاً عن تأمين الحد الأدنى من الحياة، والحقوق القومية والثقافية خاضعة للمساومات، فإن تغيير الأشخاص لن يغير جوهر الأزمة.

ولهذا أقول للسوريين جميعاً، وللكورد خصوصاً: لا تنتظروا لحظة الانفجار لكي تفكروا في اليوم التالي. فالسياسة التي تبدأ بعد الانفجار تكون دائماً أكثر كلفة من السياسة التي تستعد له قبل وقوعه.

والمرحلة القادمة، في تقديري، ليست بالضرورة مرحلة سقوط فوري، لكنها مرحلة اختبار حقيقي، وقد تكون من أصعب مراحل سوريا منذ سقوط الأسد؛ لأن السؤال لم يعد فقط: من يحكم دمشق؟ وإنما: أي سوريا ستولد من بين أنقاض سوريا القديمة؟

فقد خرج السوريون ذات يوم يطلبون الكرامة، ثم دفعوا ثمناً هائلاً من الدم والتهجير والفقر والجوع. والخطر اليوم أن يتحول الغضب الجديد إلى محرقة جديدة، بينما تبقى القوى التي تتصارع على سوريا خارج النار.

وهذه المرة يجب ألا يكون السوريون مجرد أدوات في تاريخ يكتب لهم من الخارج.

سوريا القادمة يجب أن تبنى بإرادة السوريين، وإلا فإن تغيير السلطة لن يكون سوى بداية دورة أخرى من المأساة.

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب