عبدالغني سليمان
ليست الانشقاقات في صفوف الأحزاب الكوردية ظاهرة جديدة كما أنها ليست في حد ذاتها دليلا على فشل العمل السياسي فالاختلاف في الرؤى والمواقف أمر طبيعي في أي حركة سياسية حية لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف من وسيلة لتطوير المشروع السياسي إلى صراع على النفوذ والمواقع وعندما يصبح الحزب ومصالح قياداته أهم من القضية التي تأسس من أجلها
لقد عانت الحركة السياسية الكوردية في مراحل مختلفة من تعدد الأحزاب والتيارات والانشقاقات التي أدت في كثير من الأحيان إلى تشظي القوى والطاقات
والمفارقة أن القضية الكوردية بما تحمله من تحديات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية تحتاج إلى قدر كبير من التنسيق والوحدة في المواقف الأساسية في حين ينشغل جزء من النخب السياسية بصراعات داخلية تستنزف الجهد وتعمق الانقسام
لماذا تنشق الأحزاب؟
من الخطأ تفسير جميع الانشقاقات بالخلافات الفكرية ففي بعض الحالات يكون الخلاف السياسي حقيقيا ومشروعا لكن في حالات أخرى تتداخل معه عوامل تتعلق بالقيادة والنفوذ والمصالح الشخصية
ومن أبرز أسباب الانشقاق ضعف المؤسسات الداخلية فعندما تتركز صناعة القرار في يد مجموعة محدودة ولا تكون هناك آليات ديمقراطية فعالة لمراجعة القيادة ومحاسبتها وتداول المسؤوليات يصبح الخلاف داخل الحزب أكثر صعوبة في المعالجة ومع مرور الوقت قد يتحول التنافس السياسي إلى صراع شخصي ويصبح الانشقاق هو النتيجة بدلا من أن يكون الحوار والإصلاح الداخلي هما الخيار الأول
كما أن غياب ثقافة تقبل الرأي الآخر يمثل مشكلة أساسية فبعض القيادات تتعامل مع النقد باعتباره تهديدا للموقع السياسي بينما ينظر بعض المعارضين داخل الحزب إلى كل خلاف وكأنه معركة وجود وفي مثل هذه البيئة تضيق مساحة الحوار وتتسع مساحة الاتهامات والتخوين حتى يصبح من الصعب التمييز بين الخلاف حول السياسة والخلاف حول الأشخاص
ولا يمكن تجاهل تأثير المصالح الإقليمية والدولية فالقضية الكوردية مرتبطة بحكم موقع كوردستان وتوزع الكورد بين عدة دول بتوازنات إقليمية معقدة وهذا يجعل بعض الأحزاب أمام ضغوط وتحالفات مختلفة وقد يؤدي اختلافها في قراءة هذه التحالفات إلى تعميق الخلافات الداخلية
لكن تحميل الخارج مسؤولية الانشقاقات بصورة كاملة سيكون تبسيطا للمشكلة فالتدخل الخارجي لا يجد بيئة مناسبة إلا عندما تكون الجبهة الداخلية ضعيفة والمؤسسات الحزبية غير قادرة على إدارة الاختلافات ولذلك فإن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق القوى السياسية نفسها في بناء مؤسسات تستطيع حماية قرارها السياسي وإدارة تناقضاتها
من الاختلاف السياسي إلى صراع الإخوة
الأخطر من الانشقاق نفسه هو الطريقة التي يتم بها التعامل معه ففي السياسة يمكن أن يختلف شخصان أو تياران ثم يفترقان سياسيا مع الحفاظ على الاحترام المتبادل لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الخصم السياسي إلى عدو وعندما تصبح كل وسيلة مشروعة لتشويه الطرف الآخر وإقصائه
وهنا يدفع المجتمع الثمن
فالمواطن الكوردي يجد نفسه أحيانا أمام خطاب سياسي يطالبه بالانحياز إلى حزب أو تيار وكأن الانتماء للقضية لا يكفي وكأن الاختلاف في الرأي يستوجب القطيعة ومع الوقت تنتقل المنافسة السياسية من المؤسسات إلى الشارع ومن البرامج إلى العلاقات الاجتماعية فتتأثر حتى الصداقات والعلاقات العائلية والمجتمعية
وهذا من أخطر آثار الانقسام لأن القضية الوطنية لا يمكن أن تكون قوية في مجتمع ممزق اجتماعيا
الانشقاق واستنزاف القضية
كل انشقاق لا يعني بالضرورة خسارة سياسية فقد يؤدي أحيانا إلى ولادة تيار جديد أكثر قدرة على التعبير عن مطالب معينة لكن تكرار الانشقاقات دون مراجعة أسبابها يجعل الحركة السياسية تدور في دائرة مغلقة: حزب ينقسم ثم يتشكل حزب جديد ثم ينقسم الحزب الجديد بدوره فتتزايد العناوين السياسية بينما لا تتزايد بالضرورة القدرة على تحقيق الأهداف
والنتيجة هي استنزاف الطاقات البشرية والسياسية
فالكوادر التي كان يمكن أن تنشغل ببناء المؤسسات وتطوير الاقتصاد ودعم التعليم والثقافة والدفاع عن الحقوق السياسية تجد نفسها منشغلة بالرد على الخصوم ومتابعة الصراعات الداخلية كما أن جزءا من الخطاب السياسي يتحول من الحديث عن مستقبل المجتمع إلى الحديث عن أخطاء الآخرين
وهنا ينبغي طرح سؤال نقدي واضح: هل كثرة الأحزاب والانشقاقات تعكس بالضرورة تعددية سياسية أم أنها في بعض الحالات تعكس عجزا عن إدارة الاختلاف داخل المؤسسات؟
التعددية الحقيقية لا تعني أن ينقسم كل حزب عند كل خلاف كما أن الوحدة لا تعني إسكات المعارضة المطلوب هو بناء ثقافة سياسية تسمح بالاختلاف دون أن يتحول إلى عداء وتسمح بالنقد دون أن يؤدي إلى الإقصاء
المشكلة ليست في تعدد الأحزاب بل في غياب المشروع المشترك
ليس المطلوب إلغاء التعددية الحزبية أو إجبار القوى الكوردية على الاندماج في حزب واحد مثل هذا الطرح قد يكون مخالفا لطبيعة الحياة السياسية الحديثة المشكلة الحقيقية هي غياب الحد الأدنى من التوافق حول القضايا الكبرى
يمكن أن تختلف الأحزاب في البرامج الاقتصادية والاجتماعية وفي أساليب إدارة المؤسسات وفي تفاصيل السياسة الداخلية والخارجية لكن ذلك لا يمنعها من الاتفاق على مجموعة من المبادئ والقضايا الأساسية التي تمس مستقبل الشعب الكوردي
إن وجود الاختلاف داخل البيت السياسي أمر طبيعي أما تحويل البيت كله إلى ساحة صراع دائم فهو ما يضر بالقضية
النقد الذي تحتاجه الحركة السياسية
النقد الحقيقي للحركة السياسية الكوردية لا ينبغي أن يكون موجها إلى حزب واحد أو شخصية واحدة لأن المشكلة أوسع من ذلك إنها مشكلة ثقافة سياسية تحتاج إلى مراجعة
هناك حاجة إلى الانتقال من سياسة الأشخاص إلى سياسة المؤسسات ومن الولاء للأفراد إلى الولاء للمشروع ومن التخوين إلى الحوار ومن ردود الفعل إلى التخطيط طويل الأمد
كما أن القيادات السياسية مطالبة بإدراك أن المنصب السياسي ليس ملكا شخصيا وأن تداول المسؤولية لا يعني نهاية الدور السياسي بل إن قدرة القائد على قبول النقد وترك الموقع عندما تقتضي المصلحة العامة ذلك يمكن أن تكون أكثر أهمية من قدرته على البقاء في السلطة
وفي المقابل تتحمل القواعد الحزبية والمثقفون والإعلاميون مسؤولية أيضا لأن المجتمع الذي يكافئ الخطاب المتعصب ويعاقب النقد المستقل يساعد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على استمرار المشكلة
خاتمة
القضية الكوردية أكبر من أي حزب وأبقى من أي قيادة وأوسع من أي خلاف شخصي ومن هنا فإن استمرار الانشقاقات عندما تكون نتيجة لصراعات النفوذ والمواقع لا يضر بالأحزاب وحدها بل ينعكس على المجتمع وعلى ثقة الناس بالعمل السياسي وعلى القدرة على بناء موقف مشترك تجاه القضايا المصيرية
ليس المطلوب أن يتفق الجميع في كل شيء فهذا غير ممكن وغير صحي المطلوب أن يتعلم الجميع كيف يختلفون دون أن يتحول اختلافهم إلى عداوة وكيف يتنافسون دون أن يهدم أحدهم ما بناه الآخر وكيف يضعون المصلحة العامة فوق الحسابات الحزبية والشخصية
فالقوة السياسية لا تقاس بعدد الأحزاب ولا بعدد المنشقين وإنما بقدرة هذه القوى على تحويل اختلافاتها إلى طاقة سياسية منتجة وعلى بناء مؤسسات تحترم الإنسان والرأي الآخر وتضع القضية والمجتمع فوق الأشخاص والمواقع
وإذا كانت الانشقاقات قد أصبحت جزءا من تاريخ الحركة السياسية الكوردية فإن استمرارها بالشكل نفسه ليس قدرا محتوما فالسياسة التي لا تتعلم من أخطائها تعيد إنتاجها والحركة التي لا تراجع تجربتها بصدق ستظل تدفع ثمن خلافاتها من رصيد قضيتها ومجتمعها