مقالات

داعش خسر العراق وربح سوريا: خسر المعارك وربح الحرب

د. محمود عباس

لا تُقاس الحروب بعدد المعارك التي خسرها هذا الطرف أو ربحها، بل بالنتيجة التي انتهى إليها الصراع. وهذه المقولة تنطبق اليوم، بمرارة، على الحرب التي قادتها الولايات المتحدة وحلفاؤها ضد تنظيم داعش. فقد تباهى التحالف الدولي، ومعه قوات سوريا الديمقراطية، بالقضاء على دولة التنظيم وهزيمة قوته العسكرية، وتكررت البيانات التي أعلنت مقتل أمرائه وقادته وتفكيك خلاياه النائمة، حتى بدا وكأن داعش أصبح في عداد الموتى، ولم يبقَ منه سوى مجموعات متناثرة تطاردها أجهزة الاستخبارات.

لكن الذي هُزم عسكريًا لم يمت فكريًا وسياسيًا. وهنا لا أتحدث عن داعش بوصفه تنظيمًا ما زال يحمل الاسم والراية والبنية القيادية نفسيها، بل عن «الداعشية» بوصفها عقيدةً في الحكم، ومنهجًا في التكفير والإقصاء، ورؤيةً أحاديةً للدولة والمجتمع. فالتحالف كان يقصف مواقع التنظيم ويطارد مقاتليه، بينما كانت البيئة الجهادية الأوسع تعيد ترتيب صفوفها، وتراجع خطابها، وتبحث عن أبواب أخرى للوصول إلى السلطة.

خسر داعش دولته المعلنة في العراق وسوريا، لكنه لم يخسر الفكرة التي أقام عليها تلك الدولة. وحين تبيّن أن الرايات السوداء، ومشاهد الذبح، والخطاب المتوحش، تستدعي تحالفًا دوليًا لا قدرة له على مواجهته، جرى تغيير الشكل واللغة والأدوات. اختفت الرايات، وخفت الخطاب الفج، وحلّت لغة السياسة والدبلوماسية محل لغة التهديد المباشر، لكن جوهر المشروع القائم على احتكار الحقيقة والسلطة لم يخضع لمراجعة فكرية معلنة وحقيقية.

بهذا المعنى، لم تنتقل الداعشية من الصحراء إلى القصور بحذائها القديم، بل بدّلت ثيابها وطرائقها. وما عجزت عن تثبيته تحت اسم «دولة الخلافة» تحاول البيئة العقائدية ذاتها إعادة إنتاجه اليوم تحت غطاء «الدولة السورية» وواجهة «الحكومة الانتقالية».

إن أخطر ما جرى لم يكن مجرد وصول أحمد الشرع، المعروف سابقًا بأبي محمد الجولاني، إلى واجهة الحكم، بل انتقال عدد من الجماعات والقادة والمقاتلين الجهاديين من مواقع الفصائل إلى مواقع رسمية داخل الجيش والأجهزة الأمنية. فقد عُيّن قادة إسلاميون أجانب في مناصب عسكرية، بينهم عبد العزيز داود خُدابردي، المعروف باسم «زاهد»، قائد قوات الحزب الإسلامي التركستاني، الذي مُنح رتبة عميد، إلى جانب مقاتلين وقادة من جنسيات أخرى. وكانت الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا قد حذّرت في البداية من منح الجهاديين الأجانب مواقع عسكرية عليا، قبل أن تنتقل واشنطن لاحقًا إلى قبول دمج آلاف منهم في تشكيلات الجيش الجديد.

وهكذا لم يعد أصحاب العقيدة الجهادية جميعهم مطاردين خارج الدولة؛ فقد ارتدى بعضهم زيّ الأمن العام، وانتظم آخرون في فرق عسكرية تقود مفاصل من الجيش السوري، فيما تحولت قيادات فصائلية إلى قوى مسلحة تؤثر في قطاعات من العشائر العربية وتوجّه قراراتها. وليس الخطر في الزيّ الذي يرتدونه، بل في الذهنية التي يحملونها وفي غياب أي مراجعة فكرية شفافة لما آمنوا به ومارسوه طوال السنوات السابقة.

ما كان يُسمّى سابقًا «دولة الخلافة» لم يعد مضطرًا إلى الإعلان عن نفسه بالاسم ذاته. تكفيه دولة مركزية عقائدية تحتكر السلاح والقرار، وترفض التعددية السياسية والقومية، وتُخضع من لا يمتثل لسلطتها تحت ذريعة فرض الأمن وحماية وحدة البلاد. فالخلافة لا تصبح دولة مدنية لمجرد استبدال الراية السوداء بعلم رسمي، ولا يتحول الجهادي إلى ديمقراطي بمجرد حلق لحيته أو ارتداء ربطة عنق والجلوس خلف مكتب حكومي.

لقد أصبح أحمد الشرع الواجهة التي تراهن القوى الكبرى على أن تدجّن من خلالها البيئة الجهادية وتحولها إلى سلطة قابلة للاحتواء. وكان السفير الأمريكي السابق روبرت فورد من أبرز الأصوات التي ساهمت في إعادة تقديمه إلى الغرب بوصفه قائدًا براغماتيًا، بل وصفه بأنه الأداة الأفضل للولايات المتحدة في محاربة داعش داخل سوريا. إلا أن هذه المقاربة تنطوي على مفارقة خطيرة. فالقوى التي تزعم استخدام الشرع لتدجين الجهاديين قد تكون، في المقابل، هي التي تمنح مشروعهم الشرعية والسلطة والموارد.

وقد تجاوزت عملية إعادة التأهيل الخطاب السياسي إلى القرارات الرسمية. فالولايات المتحدة رفعت القسم الأساسي من العقوبات المفروضة على سوريا، ثم ألغت تصنيفها دولةً راعية للإرهاب، ورفعت تصنيف جبهة النصرة، المعروفة لاحقًا بهيئة تحرير الشام، منظمةً إرهابيةً عالميةً محددة. وبذلك انتقلت سلطة خرجت من رحم تنظيم جهادي من قوائم الإرهاب إلى مقاعد الشرعية الدولية، من دون أن يسبق ذلك تحول فكري مثبت أو بناء مؤسسات ديمقراطية تضمن حقوق مكونات البلاد.

ولم تبقَ نتائج هذه الذهنية في دائرة المخاوف النظرية. فقد كشف تحقيق لرويترز حول مجازر الساحل في مارس/آذار 2025 عن صلات بين فصائل وقوات شاركت في عمليات قتل واسعة وبين رجال يعملون إلى جانب القيادة الجديدة في دمشق. وهذا يطرح سؤالًا لا يمكن دفنه تحت بيانات الحكومة: هل جرى فعلًا بناء جيش وطني، أم مُنحت الفصائل القديمة أسماءً ورتبًا جديدة، مع الإبقاء على بنيتها وعقيدتها وولاءاتها؟

إن التخلي عن مظهر الإرهاب لا يعني التخلي عن أيديولوجيته. فما يجري في العمق هو إدخال تدريجي للخطاب الديني المتشدد إلى الثقافة والتعليم والقضاء والإدارة، إلى جانب معاقبة الخصوم والمكونات الرافضة للمركزية تحت ذرائع حماية الدولة وإعادة بناء سوريا. وبهذا المعنى، لم تمت الداعشية؛ بل تعلّمت كيف تستبدل الخلافة المعلنة بسلطة معترف بها، والسيف المكشوف بقرار إداري، والإرهاب الصريح بمشروع دولة عقائدية يحظى بغطاء دولي.

ولا يبدو أن القوى الكبرى تجهل حقيقة ما يجري. ففي تقديري، لا يمكن فصل هذا التغاضي عن أولوية الحرب على إيران وأدواتها في المنطقة. لقد أصبح إضعاف النفوذ الإيراني أكثر أهمية لدى الولايات المتحدة وحلفائها من طبيعة النظام الذي سيحكم سوريا، حتى لو كان الثمن تمكين سلطة إسلامية مركزية تهدد التعددية القومية والدينية والمذهبية. إنهم لا يسألون اليوم: ماذا ستكون سوريا؟ بل: ضد من ستقف سوريا؟ وحين تصبح وظيفة السلطة أهم من هويتها، تُدفن المبادئ تحت خرائط المصالح.

وسط هذا التحول، كان الكورد أكثر من دفع الثمن. فبينما كانت واشنطن تنقل الشرعية والموارد إلى سلطة خرجت من البيئة الجهادية، كان مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، توماس باراك، يعلن أن الدور الأساسي لقسد في محاربة داعش «انتهى إلى حد بعيد»، وأن دمشق أصبحت مستعدة لتولي المسؤوليات الأمنية. ثم دعمت الولايات المتحدة دمج قسد في وزارتي الدفاع والداخلية، وضغطت باتجاه إنهاء وجودها قوةً مستقلة، بعد أن اعتمدت عليها سنوات في هزيمة داعش وحراسة آلاف من مقاتليه وعائلاتهم.

وهنا تكتمل المفارقة: القوة التي حاربت داعش وقدّمت آلاف الضحايا يجري تفكيكها وإذابتها، فيما يُعاد تأهيل قوى خرجت من البيئة الجهادية وتُسلَّم إليها الدولة والسجون والموارد. وبذلك لم تكتفِ واشنطن بالتخلي عن حليفها الأقوى في الحرب على الإرهاب، بل نقلت مسؤولية حماية المنطقة من داعش إلى سلطة يقودها رجال كانوا حتى وقت قريب جزءًا من المشهد الجهادي نفسه.

إن القوى التي أزعجها التحالف الكوردي–الأمريكي تلاقت اليوم على محاربة الكورد، لا بوصفهم قوةً عسكريةً فحسب، بل باعتبارهم شعبًا وقضيةً ومشروعًا سياسيًا. ومثلما نجحت القوى الإقليمية، بتقاعس الدول الكبرى وتواطؤ بعضها، في تجزئة كوردستان قبل قرن، تعمل اليوم على استكمال المخطط نفسه داخل سوريا. القوى الكبرى تكاد تكون ذاتها، والقوى الإقليمية تحمل الذهنيات والمطامع ذاتها؛ وحدها الأسماء والأدوات تغيرت لتتلاءم مع العصر.

لكن المأساة لا تكتمل من دون الاعتراف بمسؤولية الحراك الكوردي عن ضعفه. فكما كان قبل قرن متنافرًا ومثقلًا بالعشائرية والانقسامات، يعيش اليوم الحالة نفسها بأدوات حديثة وشعارات جديدة. لقد بلغ الصراع الداخلي ببعض أطرافه حدّ تفضيل القوى المعادية للكورد على الطرف الكوردي الآخر، وتبرير التحالف مع من يستهدف وجودهم وقضيتهم. وبينما يحسن خصوم الكورد توحيد مصالحهم رغم اختلافاتهم، يتفنن الكورد في تحويل اختلافاتهم إلى معارك وجودية.

هكذا خسر داعش العراق، لكنه ربح سوريا. خسر دولته المعلنة، لكنه رأى بيئته العقائدية تعود إلى الحكم تحت اسم الحكومة السورية الانتقالية. خسر معاركه العسكرية في كوباني وباغوز، لكنه ربح الحرب السياسية في سوريا، حين تحولت القوى التي حاربته إلى راعية لإعادة تأهيل امتداداته الفكرية، وتخلّت في المقابل عن الحليف الذي هزمه.

أما الكورد، فقد خسروا مرة أخرى؛ لا لأن خصومهم كانوا أقوى منهم فحسب، بل لأن خصومهم أحسنوا إدارة مصالحهم، بينما أتقنوا هم إدارة انقساماتهم.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
14/9/2026

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب