الحركات الانفصالية في الوطن العربي.. شهادة تاريخية أقولها بحق الراحل اسماعيل عمو

عبدالقادر بدرالدين
 
أربعة عقود مضت, وما زالت كلماته الجميلة عالقة في ذاكرتي, حينما كنت في الثالث الاعدادي وتحديدا في مدرسة العروبة بالقامشلي, حيث كان الراحل مدرسا لمادة الاجتماعيات.

من الكتب المخصصة لهذه المادة كانت – التربية الوطنية والقومية – وقد تم تأليفه من افكار وتوجهات حزب البعث العربي, ومن بين اقسامه كانت هناك فصلا يتحدث عن (الحركات الانفصالية في الوطن العربي) كا الحركة الانفصالية في جنوب السودان, وكذالك الحركة الانفصالية في شمال العراق….الخ.
كنا نحن طلبة الكورد نقرأ هذا الفصل بالشك والريبة وكنا قلقين جدا ما يدور في محتواه, حيث ينتابنا الحزن والاحباط من هذا العنوان العنصري الاسود, وكنا جميعا على دراية تامة بأن قائد هذه الحركة – الانفصالية – هو مصطفى البارزاني, وكنا نعتقد اي اساءة لهذه الشخصية هو اساءة لنا جميعا, ومن هذا المنطلق كنا ننتظر وبفارغ الصبر, ونسأل فيما بيننا يا ترى كيف سيبدأ هذا الاستاذ الكوردي بشرح وتناول هذا الموضوع, وماذا سيكون رد فعلنا نحن طلبة الكورد حينما يلتزم بما هو مقرر في الكتاب؟ ومن جهة اخرى ما رد فعل البعثيين اذا اراد المعلم الكوردي الشرح خارج السياق المطلوب؟.
في احدى ايام السنة حيث وصل بنا الدرس الى الحركات الانفصالية في الوطن العربي, في ذالك اليوم كان الصف مكتظا, حيث كان التفقد كاملا, ولم يغب ولا واحدا من التلاميذ, واذا بالمعلم الكوردي يدخل الصف , بقامته الجميلة وابتسامته المعتادة, وكأنه على عجل ليقول ما يدور في خلده, وخلال ثوان قصيرة بدأ الدرس بقوله: اعزائي الطلاب, اليوم سنتكلم عن الحركات الانفصالية في الوطن العربي, وحديثنا اليوم بالتحديد حول الحركة الانفصالية في شمال العراق, وتابع المعلم الكوردي قائلا: أعتقد ان الحركة الكوردية في شمال العراق ليست حركة انفصالية على الاطلاق, وانما هي حركة تحررية بمعنى الكلمة, وان الكورد في العراق لايودون ولا يهدفون الى الانفصال او الانشقاق عن اخوتهم العرب, وانما اصحاب مطاليب عادلة كقومية ثانية في العراق, مثلما هو مثبت في الدستور العراقي في عهد الجمهورية.
أدهشنا هذا المعلم الكوردي, حيث احدث صوتا جديدا في اسماعنا, وموقفا شجاعا في قلب مدرسة العروبة, حيث مركز العروبيين والقوميين الشوفنيين في ذالك العهد, والهمنا هذا الرجل القوة والتفائل والامل في نفوسنا, وهنا لابد من القول, بان تلك الفترة المنصرمة كانت تحمل دلالات في غاية الاهمية منها شموخ وكبرياء ثورة ايلول المجيدة بقيادة الزعيم مصطفى البارزاني, وانتصاراتها المكثفة في كوردستان العراق هذه من ناحية, والقوة التنظيمية الهائلة للحزب اليساري الكوردي في سوريا من ناحية ثانية, هذان العاملان واسباب اخرى في اعتقادي ساعدت للانسان الكوردي السوري في اتخاذ مواقف شجاعة ومواجهة كافة التحديات بقوة , وفي هذا الصدد لابد من التنويه, بأن الراحل اسماعيل عمو كان عضوا مهما في التنظيم اليساري حينئذ, وحيث تابع الرجل مسيرته النضالية دون كلل او ملل ومن دون انقطاع.
وفي هذه المناسبة, اود ان ان انضم صوتي الى جانب صوته, بأن الحركات التحررية (الانفصالية) في الوطن العربي اصبحت امرا واقعا حيث تدعمها كل القوى الخيرة في العالم, واصبح الوطن العربي يواجه حراكا ليس في الشمال والجنوب بل في كافة الاتجاهات من جسمه المريض, بل في الوسط ايضا, نتيجة حسابات خاطئة وشعارات كاذبة صدرت من قيادات قوموية حاقدة تحت يافطات باسم الوحدة والحرية والاشتراكية ووحدة تراب الوطن.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…