معاناة مرضى السرطان ورحلة السفر الطويلة إلى دمشق

محي الدين عيسو

كتبت سابقا عن هذا الموضوع الذي يشكل أهمية بالغة لأناس ينتظرون أيام معدودة ليلاقوا وجه ربهم، ومع هذا فهؤلاء المصابين بمرض السرطان يعيشون أيضاً الموت المضاعف من خلال السفر من أقصى الشمال السوري إلى العاصمة دمشق لمعالجة أنفسهم، أو حتى لمجرد الاستفسار عن أوضاعهم الصحية في مشفى البيروني الجامعي المتخصص بالأورام السرطانية.

وفي تفاصيل معاناة أبناء الجزيرة السورية مع معالجة مرض السرطان تحدث عدد من المواطنين عن مأساة السفر من الحسكة إلى دمشق هذه المأساة الإنسانية وهذا المصاب الذي ألم بهم وهم ينتظرون الموت البطيء لكن أيضا بمعاناة حقيقية فوق ما يعانوه من آلام المرض.
أربعة أفراد من عائلة واحدة من محافظة الحسكة مصابين بمرض السرطان ويعالجون بشكل أسبوعي في دمشق، وأخرى تموت طفلتها وهي تتجه إلى دمشق للمعالجة، وآخرون يقطعون مسافة 900 كم من أجل إبرة أو مراجعة المركز، وأناس يعملون بأجرة 300 ل س ويدفعون ما يحصدوه في أسبوع كأجرة طريق للمعالجة.
يقول ( أ .

بهلوي ) هناك أربعة أفراد من عائلتي مصابين بهذا المرض هم خيرية بهلوي وفخرية بهلوي مصابين بسرطان الثدي وأيضا جعفر بهلوي مصاب بسرطان الحنجرة، وخالد بهلوي بسرطان البروستات جميعهم يعالجون بشكل أسبوعي في دمشق، ويضيف إن معاناتهم تتضاعف من خلال التكاليف المادية الباهظة التي تتكلفها هذه العائلة عبر أجرة الطريق والسكن والمواصلات وغيرها من التكاليف التي لا تستطيع أي عائلة تحمل هذه التكاليف.
وطالب ( أ .

بهلوي ) أن يقوم المسئولون على افتتاح مركز ولو فرعي لمعالجة ومتابعة أمراض السرطان في المحافظات الشرقية أو حتى في حلب التي هي قريبة عليهم بالمقارنة مع دمشق، وتمنى أن تصل هذه الرسالة إلى كل من يهمه حياة المواطنين ويعملوا بجد على إنهاء هذه المأساة الإنسانية لأبناء محافظة الحسكة.
وتقول السيدة ( نسرين .

ب ) ” اكتشفت بعد أن أصبح عمر طفلتي سنة إن لديها سرطان دم، فتوجهت إلى مشفى البيروني في دمشق لأعالج أبنتي وبقيت هناك فترة عدة أيام وكانت تكاليف الإقامة باهظة، وقد طلب منا الأطباء بأن نعود إلى منزلنا بعد أن تحسنت أوضاع أبنتي الصحية، وقد فعلنا ذلك “وتكمل حديثها بالقول ” لكن بعد مرور قرابة الشهر كانت الانتكاسة والنهاية الوخيمة حيث تجمد الدم داخل جسم أبنتي وأصبح لون جسدها أسودا، فقمنا بإدخالها إلى مشفى الحسكة الوطني إلا إن الأطباء لم يستطيعوا تشخيص حالتها فلم يكن أمامنا سوى العودة إلى مشفى البيروني لكنها فقدت الحياة ونحن نتوجه إلى دمشق”
ويعد مشفى البيروني الجامعي المرتبط بوزارة التعليم العالي المشفى الوحيد الذي يعنى وبشكّل مجاني بمرضى السرطان، الذي يوفر العناية الطبية التشخيصية والعلاجية لمرضى الأورام في سورية وهو الذي حلّ مكان مركز الطب النووي لدى إحداثه بموجب قانون في 2006 إلا أن أبناء المحافظات الشرقية يعانون الأمرين عند السفر بهدف المعالجة بسبب المسافة البعيدة والتكليف الزائدة التي تصرف من جيوبهم.
وقالت السيدة ( ن .

ح ) 58 سنة المصابة بمرض سرطان الثدي منذ أربع سنوات ” كنت أقطع مسافة 900 كم كل شهر من أجل المعالجة وبعد فترة أصبحت المدة خمسة عشر يوما، وحالياً أذهب إلى دمشق بشكل أسبوعي، ولا أعلم بأي لحظة افقد حياتي بعيداً عن أهلي وأبنائي ”
وأضافت ” بأنني عندما أقوم بمراجعة المركز ألاحظ بأن أغلبية المراجعين هم من أبناء المناطق الشرقية الذين يقطعون هذه المسافة الطويلة من أجل إبرة أو من أجل مراجعة بسيطة تكاليف السفر أضعاف تكاليف المعالجة إضافة إلى التعب والإرهاق واليأس الذي يصيب هؤلاء المرضى”
وقالت بحسرة والدموع تذرف من عيونها ” لم أعد استفيد من الدواء والمعالجة وأعلم أن أيامي أصبحت معدودة لكن أتمنى ومن أجل الذين لديهم أمل بهذه الحياة أن يفتتح لهم مركز للمعالجة قريبة من المحافظات الشرقية ليخف عنهم القليل من المعاناة ”
وأكد في نفس السياق المواطن ( خسرو .

ي ) بأنني ” اعمل على سيارة أجرة براتب يومي 300 ل س وفي نهاية الأسبوع أذهب مع والدتي المصابة بمرض سرطان الحنجرة لأقوم بمعالجتها، وكل راتبي لا يكفي أجرة الطريق لدرجة أنني قمت ببيع كل ما أملك لأخفف عن والدتي بعض الألم” وتمنى أن ينظر إلى هؤلاء المرضى بعين الرحمة والشفقة فهؤلاء مازالوا يملكون بعض الأمل بغد أجمل” .
هؤلاء المواطنين وغيرهم بالعشرات يأملون من الجهات المسؤولة أن تراعي أوضاعهم الصحية، وتقوم بافتتاح ولو مركز فرعي في محافظة الحسكة لمعالجة أمراض السرطان حتى يخف عنهم معاناة السفر الطويل والإرهاق الشديد الذي يصيبهم جراء الرحلة الطويلة من الحسكة إلى دمشق.

مجلة الثرى- العدد 256 تاريخ 30-10-2010 السنة السادسة

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…