رثاءٌ بل وفاءٌ للراحل إسماعيل عمر

  بقلم : م.رشيد

     بداية شبابي المليئة بالأحلام والحسرات والأمنيات، كانت إحداها التعرف عن قرب على الأستاذ اسماعيل عمر(رحمه الله)، لما له من سمعة طيبة من بين أقرانه ، تميزه عن سواه من المربين والمثقفين والسياسيين، تحققت أمنيتي بعد تخرجي من الجامعة، وترسخت جذورها على المودة والاحترام والصدق والوفاء والصراحة ..، فكلما استجدت الأحداث وتغيرت الظروف واختلطت عليّ الأمور ، احتجت إلى لقائه للاستيضاح والاستئناس في مختلف القضايا القومية والوطنية والعالمية، فأجده محاوراً ذكياً ونظيفاً، ومناقشاً موضوعياً وعلمياً، في إبداء رأيه وتقبل رأيي، يدير اللقاء بهدوئه وتواضعه المعتادين، وينهيه بتواد ولطف وحميمية…، وهكذا تتكرر اللقاءات حتى أصبحت شخصية وخاصة وبدون مواعيد ومقدمات، لاسيما عندما كان يقرأ لي مقالاً جديداً منشوراً في إحدى الجرائد أو المواقع، فأراه ناقداً ومصححاً حيناً، ومشجعاً وموجهاً حيناً آخر، فكان لي دوماً مبعث الأمل والتفاؤل ، وحافز التقدم والاستمرارية…
     فبدون رياءٍ أو نفاقٍ أومجاملةٍ أو مزايدةٍ(والله على ما أقول شهيد) مازلت تحت تأثير الصدمة الأولى الفظيعة والمباغتة اثر تلقي نبأ رحيله، ففي قرارة نفسي وخبايا جوانحي وغمرة مشاعري وإحساسي أعتبر نفسي كأهله ورفاقه ومحبيه حزيناً منكوباً مفجوعاً بغال ٍ وعزيزٍ(تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنانه)، وما علينا إلا أن نلملم جراحاتنا، ونرثي مصابنا الجلل، ونذكر محاسنه ومناقبه وفضائله، في دماثة أخلاقه وحسن سيرته وسلوكه ونجاعة أفكاره وطروحاته ..

فقد كان الواقعي والمعتدل والعقلاني والإنساني والمسالم في أقواله وأفعاله.

     أحفظ له في ذهني وقلبي ونفسي الكثير من المواقف الشريفة والنبيلة، فعلى سبيل الذكر لا الحصر أورد ما يلي ما أستطيع تصنيفها تحت عنوان “كلنا شركاء”:
1-    في حفلة تكريم لمجموعة من الكتاب والأدباء الكورد(العام المنصرم)، قال الراحل لهم في كلمة مقتضبة ومعبرة: (كلنا شركاء في القضية، وكلنا مدعوون لحمل وزرها، والنضال من أجلها وكل حسب موقعه وقدراته، ونحن في حزب الوحدة أهل لكم، وملتزمون بدعمكم ومساندتكم حسب إمكاناتنا، متى وكيفما أردتم واحتجتم …).
2-    وفي ذكرى يوم الصحافة الكوردية لهذا العام، قال الراحل: (نحن ضد احتكار الكوردايدتي ووسائل النضال وأدواته، نحن ضد الوصاية والتسلط والاستعلاء على المستقلين المهتمين بالشأن الكوردي من الكتـّاب والمثقفين …وانطلاقاً من هذين المبدأين فقد أشركنا بعضهم في مركز القرار السياسي الكوردي من خلال الأمانة العامة للتحالف الكوردي…).
3-    إبان إعلان المجلس السياسي الكوردي في سوريا، ورداً على استفهام مني عن سبب عدم انضمامهم له، قال الراحل: (كلنا متساوون في الحقوق والواجبات، وكلنا شركاء في القضية، وعلينا جميعاً وبدون استثناء المشاركة من خلال لجنة تحضيرية لعقد مؤتمر وطني كوردي عام وشامل لأجل بناء مرجعية كوردية تضم كل الأحزاب الكوردية إلى جانب ممثلي النخب الثقافية والاجتماعية والمهنية…).
4-    كان الراحل يعتبر القضية الكوردية في سوريا قضية وطنية وديموقرطية بامتياز، لذا كان يؤكد دوماً على الحفاظ على إطار إعلان دمشق وتوسيعه وتفعيله، فكان يطالب بتثبيت الحضور الكوردي وتفعيل دوره بين الشركاء في الوطن من العرب والآثوريين والشركس… وكان من الداعين لعقد مؤتمر وطني سوري شامل لبحث جميع القضايا التي تهم الوطن لأجل حمايته وتطويره وتقدمه، وبناء أسس العدالة والمساواة بين مواطنيه، وترسيخ مبادئ الحرية والديموقراطية في بنيانه، فمنذ أشهر وفي لقاء ثنائي خاص، أكد على ضرورة الكتابة على وطنية القضية الكوردية في تكوينها وتاريخها وخصائصها وأهدافها..، للرد على الهجوم الممنهج والموجه ضد إعلان دمشق في تلك الآونة، من قبل أبواق وأقلام قومجية شوفينية، تعتمد التشويه والتحريض ضد المكون الكوردي.
     وختاماً: لقد كان أبا شيار إبناً باراً لقوميته الكوردية ووطنه سورية، وقامة شامخة في ميادين التربية والثقافة والسياسية..، ورمزاً لامعاً في ساحات النضال ضد الاضطهاد والاستبداد، ونجماً ساطعاً في معارك الحرية والديموقراطية.

20 /10/2010

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…

عبدالكريم حاجي بافي بيشو   انتهت المرحلة الأولى بفشلٍ ذريع بكل المقاييس، دفع ثمنه آلاف من شبابنا، وتشرّدت بسببه آلاف العوائل الكردية. واليوم، ومع بداية المرحلة الثانية، يبرز السؤال المصيري بقوة: هل ستبقى الحركة الكردية، ومعها الشعب الكردي بكل فئاته، أسرى نهجٍ دخيل وغريب عن جسد شعبنا؟ وهل سيستمر الصمت وكتم الصوت بحجة أن الظروف غير مناسبة ؟ أم آن…

Kurdê Bedro الأنفاق التي انتشرت في غربي كوردستان وامتداداتها نحو شنگال والرقة ودير الزور لا يمكن قراءتها كتحصينات دفاعية بريئة، بل كجزء من هندسة إقليمية محسوبة. من يحفر بنية تحتية سرية بهذا الحجم، على مدى سنوات، ثم ينسحب فجأة تاركا عشرات المليارات خلفه عند أول مباغتة، لم…