الحركة الكردية بين مرارة الواقع وإرادة التغيير

عبد الرحمن آلوجي

قد يبدو للوهلة الأولى لكل متابع للشأن الكردي أن ما نشهده من مرارة الواقع الكردي وحركته وتراجعاتها, وحالة الجماهير , وهي تتلمس واقعها المتردي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا, تحت وطأة البطالة والفقر والهجرة والمعاناة اليومية , أن هذا الواقع أصبح من لوازم الحركة وأعبائها , وضرورات التصدي لها , والتماس المخارج , ومن المقدمات النضالية المفروضة والملزمة للحركة ,  على الرغم مما نجد من ثمرة صراع مرير لم تعد معالجته من مستلزمات جهد مكافئ لما ينبغي بذله بعد جهود مضنية ومحاولات مريرة باتجاه مواجهة هذا الواقع وتبعاته , وسعي دائب وحثيث للم الشمل , وجمع الكلمة , وأن تلمس الحلول بات يدخل في كثير من المتاهات والأنفاق لتزداد مرارة الواقع وقتامته
 ولكن هذه التوجسات – وعلى الرغم من نكد العنت والمعاناة فيها – تظل دون طموح الساعين المخلصين بدأب لتلمس أي انفراج , وطرق أي باب مهما كان موصدا بإحكام , لكون إرادة التغيير , ومنحى التوجه بصرامة وإصرار إلى معالجة الواقع المرير , ومحاولة السيطرة عليه , ودراسة مختلف جوانبه , والبحث عن مداخله ومخارجه , وفتح مغاليقه , مهما كانت المشقة دون ولوجه, بل مجرد التوجه نحوه بحس رفيع , وسلوك الخطوات الأولى في دربه الشاق والمعسر , لكون المعالجة باتت ملحة ومصيرية , تمس أشد الضرورات وأكثرها أهمية وإلحاحا في الوقت الذي تزداد تعقيدات التشرذم وأدواؤها , وعقابيل الانقسام, وبقاء الأطر التقليدية السابقة ضمن أطر أوسع ” المجلس السياسي ” لتحتاج إلى تفعيل حقيقي يقود إلى مرجعية جامعة تؤازرها وتعضد قدرتها على الانفتاح والتغيير قوة وطنية مساندة ومشاركة في القرار الجماعي المنظم , من المثقفين والكتاب والناشطين في المجتمع والحقوقيين , من خلال ممارسة فعلية مدنية تحرك الراكد , وتبعث الحياة في الهمود المتراكم , وقد عبرت هذه القوة الكامنة الحقبقبة عن نفسها في أكثر من مناسبة , وفي الآونة الأخيرة , في حديث متواصل عن الوحدات المتجانسة , مدركة حجم الترهل القائم بتعقيداته ومقدماته وعوامله الدافعة إلى تلمس مواقع الأقدام , والبحث عن مخرج مرض , يرتقي بالعملية إلى مستوى الحدث المتحرك , والباعث لمن يحلحل راكده , ويثير مستنيمه , ويحمله من هجعته ليدفع به إلى رفض واقع الترنح والترهل , وقد ألمحنا إلى ذلك قبلا , و لا نزال نلح على ضرورة الضرورات , وهي معالجة واقع التقارب حول الأهداف والطموحات المشتركة وأبعادها , وما تفرزه من عوامل التقارب بين الوحدات والتجمعات المتشابهة والمنبثقة من رحم واحدة , فهي الأولى- لو صدقت النوايا وتمحضت إرادة التغيير – أن تتلمس بخطوات عملية موثقة وصادقة ومدروسة بعناية , لترتقي فوق التصفية والتهميش والمهاترة والتشويش , وتضليل الحقائق , وممارسة الوصولية التي قادت إلى الكثير من الأخطاء والوقائع المريرة والمردية واندفع الجميع إلى دفع فاتورة الأخطاء القاتلة  , مما أبرزت الجانب الذاتي , وأفرغت المضمون من محتواه , وقادت إلى الكثير من اللأواء والتعنت وركوب الرأس والوقوع في مطب الأنانية الحزبية والفئوية وآثارها المدمرة , والتي قادت إلى كثير من التشتت , والبعد عن المصداقية , وفرز عقلية المناورة والالتواء , وأساليب في التحوط والنظر بعين الخصومة , واعتبار المكسب الحزبي فوق أي تصور , يمكن – بمزيد من الوعي والمسؤولية والانضباط – أن يخفف من أسباب انعدام الثقة التي فشت وشاعت نتائجها , والتي ينبغي أن تكون الحرص على إعادتها في مقدمة أي عمل مبرور وناجع باتجاه لم الشمل وجمع الكلمة , كقوة ملهمة ودافعة لأية قدرة فاعلة تثمر عملا نحو رأب الصدع وصنع التغيير , وهو ما ينبغي الإصرار عليه لتجاوز محنة الواقع ومرارته , ولا يمكن تصور ذلك دون البحث عمن يمكنهم أن يتولوا هذه المهمة النبيلة ,  ليبذلوا إلى ذلك السبيل في عمل متكامل جماعي ومنظم ومن خلال قوة وطنية محايدة ومؤثرة , وقادرة على تحريك الساحة بصبر وأناة وروية , ودراسة متقنة وواعية لأبعاد وحجم الواقع المترهل ومرارته ومقدمات تشرذم أطراف الحركة , وما عانته هذه الأطراف القائمة من تجارب وحدوية حملت الكثير من التأزم والمرارة والتشتت والكثير من آثار الانتهازية والأخطاء الفردية والجماعية , مما يدعو إلى اليقظة والحذر والأناة في الطرح والصبر على الفجوة المحدثة والاتهامات والأخطاء المتبادلة , ما يجعل المهمة عسيرة , ولكنها ليست مستحيلة مع نقاء الإرادات وصدق التوجه والاستعداد الميداني لتجاوز تلك الأخطاء والعثرات والعقبات المترافقة , وهو ما ألح عليه الكتاب والمثقفون والوطنيون الذين يجهدون في سبيل توحيد الحركة وأطرافها المتجانسة في كتاباتهم وتحركاتهم ومناقشات معقودة لهذا الغرض , لجمع الأطراف التي تحمل برامج ومناهج متشابهة , والتي خرجتها مدرسة واحدة على اختلاف في الاجتهادات والآراء والتوجهات .

ومن أجل أن تكون خطواتنا جادة وموثقة وعملية ومثمرة , كان لا بد من توجه محكم وإرادة خيرة وتصميم على المتابعة , وحيادية من أي جماعة وطنية تجد في نفسها القدرة على التصدي لهذه المهمة النبيلة , بما تحمل من مرارة وأسى وتعقيد لا يمكن أن يجد سبيلا إلى اليأس من مخرج وسط هذه الحالة المرفوعة بقوة للمعالجة والمداواة , لرفع سوية عمل نضالي يحمل تاريخا طويلا من المعاناة والتجربة, وخوض سبل التصدي لمسألة وطنية ومعاناة شعب ينبغي احترام وجوده وامتداده وحقه في حياة حرة ومواطنة حقة وسعيدة , وتعايش متكافئ ورغيد ومزدهر بين مكونات الشعب السوري العريق , مما يستلزم حركة موحدة الأطراف والأهداف والتوجهات والبرامج لتتمكن من النهوض ومعالجة الواقع المأساوي والمرير.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ولاتي مه – خاص: أعلن خمسة من أصل سبعة أعضاء في قيادة منظمة أوروبا التابعة لحزب الوحدة الديمقراطي الكُردي في سوريا انسحابهم من صفوف الحزب، وذلك عبر بيان سياسي صدر اليوم، أشاروا فيه إلى جملة من الأسباب التنظيمية والسياسية التي دفعتهم لاتخاذ هذا القرار، بعد ما وصفوه باستنفاد جميع محاولات الإصلاح الداخلي. ويأتي هذا التطور بعد أيام قليلة من إعلان…

د. حمدي سنجاري بعض الزيارات لا تُنسى. لا لأنها تُعرّفك على مكان، بل لأنها تضعك وجهاً لوجه مع معاناة بشر حقيقيين، وآمالهم التي لم تنطفئ بعد. وحين دعاني عدد كبير من أبناء سنجار، النازحين قبل أيام في دهوك وأربيل، وجدت نفسي أمام زيارة طالما أجّلتها أكثر مما ينبغي. هناك التقيت بسنجار الحقيقية. مسلمون، إيزيديون، مسيحيون. عرب وكورد وتركمان….

تلقى النائب كبرئيل موشي سلسلة من الاتصالات والرسائل من عدد من أحزاب الحركة الوطنية الكردية في سوريا، هنأته خلالها بمناسبة نيله عضوية مجلس الشعب السوري، متمنين له التوفيق والنجاح في أداء مهامه الوطنية وخدمة أبناء الوطن. وقد وردت هذه الاتصالات والرسائل من كل من: * الدكتور صلاح درويش سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا * السيد شلال كدو رئيس…

خوشناف سليمان ما تشهده مناطق شمال وشرق سوريا اليوم هي حالة استنزاف شاملة تضرب حياة الناس في الصميم. وتستهدف القدرة على البقاء والصمود لدى جميع مكونات المنطقة و خاصة الكرد الحرائق التي التهمت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية خلال المواسم الأخيرة لم تكن مجرد حوادث عابرة. بل جاءت متزامنة مع سياسات اقتصادية أثقلت كاهل المزارعين. فأسعار شراء المحاصيل لم تعد…