التقرير السياسي الشهري لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا(يكيتي)

  رغم انشغال الإدارة الأمريكية بالعديد من القضايا الداخلية والخارجية، اعتباراً من خليج المكسيك وما تعرض له من تلوث بيئي جراء تسرب البترول، إلى الخليج العربي، وما تحيط به من ملفات تهم الإستراتيجية الأمريكية، فإنها نجحت نسبياً في تجميع أوراقها الأوروبية والدولية استعداداً لما يمكن تسميتها بمرحلة جديدة بدأت بإقرار مجلس الأمن للعقوبات الأخيرة على إيران، والتي شكلت الخطوة الأولى على طريق عودة الإدارة الأمريكية إلى تحسين دورها في الشرق الأوسط، بعد أن نجحت في استيعاب الموقفين الروسي والصيني بمساعدة أوروبية وعربية.
  ولأن الملف الإيراني لا يمكن عزله عن الملفات الإقليمية الأخرى في المنطقة، وخاصة في لبنان وفلسطين والعراق، فإن تلك الساحات قد تكون مفتوحة أمام الارتدادات وردود الأفعال الإيرانية، كما أن النظام الإيراني تسبّب بسياسته الاستفزازية في تردّي العلاقات مع روسيا التي ظلّت منذ حرب الخليج الثانية تحتفظ بعلاقات ودّية مع طهران لضمان الفيتو الروسي في مجلس الأمن، إضافة إلى كونها مصدر ثابت للتسلّح، مثلما تسبّبت في تراجع العلاقات مع الصين، الشريكة التجارية الأكبر والمستورد الثاني عالمياً للنفط الإيراني.

  وبالعودة إلى الشرق الأوسط، وفي الوقت الذي جاء فيه الموقف الإيراني مغايراً للتوقعات التي أثارت مخاوف لبنان من احتمال تحريك حزب الله لصياغة رد عسكري، وإشعال حرب جديدة مع إسرائيل، فإن الأمور هناك اتجهت نحو تبريد الجبهة الداخلية رغم الامتناع اللبناني عن التصويت على القرار الدولي بشأن العقوبات، والذي لم يكن بعيداً عن الرغبة الإيرانية في تحييد الساحة اللبنانية عن الصراع مع الغرب، وكذلك عن الموقف السوري المنحاز للجانب التركي والراغب في تأمين مظلّة إقليمية واقية، وبنفوذ سياسي متزايد في لبنان يحظى بالتبريك الأمريكي في إطار المراهنة على الابتعاد عن إيران..
  وجاءت أحداث قافلة الحرية لتسفر عن توازنات يمكن أن تقود إلى تغيير ملحوظ في خارطة التحالفات السياسية، خاصة وأن تلك القافلة تحرّكت بقرار سياسي تركي يتماشى مع المنهج الجديد للسياسة الخارجية التركية الرامية إلى استعادة الهوية الشرق أوسطية، وقطع الطريق أمام النفوذ الإيراني، وتعزيز الموقف التفاوضي التركي في السعي إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، وهذا يعني أن حكومة حزب العدالة أرادت منها تحقيق العديد من الأهداف، يأتي في مقدمتها تحرير القضية الفلسطينية من المصادرة الإيرانية، إضافة لحرصها على الاحتفاظ بشعبيتها المتنامية محلياً وإقليمياً لاستثمارها في الانتخابات البرلمانية المقرّرة إجراؤها في تموز من العام المقبل، أو إجراء انتخابات مبكرة لسد الطريق أمام حزب الشعب الجمهوري المنافس، الذي تزايدت شعبيته مؤخراً..
  ورغم أن العلاقات التركية الإسرائيلية وصلت إلى حدود متأزمة، وتزيد من هواجس واشنطن ومخاوفها من تجاوز الدور التركي للحدود المرسومة، فإن الإدارة الأمريكية تعمل على استثمار حادثة القافلة وتداعياتها في الضغط على إسرائيل لإحراز التقدم المنشود على طريق المفاوضات غير المباشرة مع الفلسطينيين، وتنشيط الدور المصري لإنجاح المصالحة الفلسطينية، كما أن هذه الإدارة ترى في صعود الدور التركي فرصة للتواصل مع إيران في بعض الملفات، سواء في العراق أوفي آسيا الوسطى، كما ترى فيه قناة للتواصل مع حركة حماس والفصائل الفلسطينية المتشدّدة، ووسيط لتشجيع سوريا على موازنة علاقاتها الإقليمية، وعلى دفعها نحو استئناف المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل، التي ظلت منذ قيامها شريكاً سياسياً واقتصادياً هاماً لتركيا، وأن مستوى تلك العلاقات معها لن يتراجع بالسهولة التي ترددها وسائل الإعلام..
  ومن جهة أخرى، فإن معظم وسائل الإعلام والمسؤولين الأتراك يخطئون في تعاملهم مع القضية الكردية، وكأنها مسألة أشقياء  وعصاة انفصاليين مرتبطين بـ(أعداء تركيا) وبأجندات خارجية.
 وفي حين يكثّف فيه الجيش التركي انتشاره في المناطق الكردية وعلى الحدود مع إقليم كردستان العراق، فإن الاعتقالات تتواصل بحق الناشطين الأكراد، ومنهم تسعة من أعضاء وفود السلام الذين توجهوا إلى تركيا من كردستان العراق في شهر تشرين الأول من العام الماضي.
  وفي الوقت الذي يحاول فيه حزب العدالة إثبات فشل المؤسسة العسكرية في تناول تلك القضية بالقوة، فإن هذه المؤسسة تريد من عدوانها اتهام حزب العدالة بالتواطؤ والتفريط بسيادة تركيا، وتستعد لشن عدوان جديد على إقليم كردستان العراق، الذي تتحاشى حكومته توتير العلاقة مع تركيا أو إيران، رغم القصف الأرضي والجوي الذي يطال المدنيين الكرد، وينتهك بنفس الوقت سيادة العراق، وذلك حرصاً منها على إنجاح العملية السياسية وتشكيل حكومة عراقية جديدة في بغداد، لا تزال تعترضها عقبات كبيرة بسبب تحول العراق إلى ساحة مفتوحة للتدخلات الإقليمية، التي تراهن على هذه الجهة أو تلك في تشكيل حكومة لها خصوصيتها.

فهي، أي الحكومة القادمة، من جهة، سوف تحل محل القوات المتعددة الجنسيات بعد خروجها النهائي أواخر عام 2011 ، وسوف يتمتع رئيس وزرائها المقبل، من جهة أخرى، بصلاحيات كبيرة بموجب الدستور، مما يزيد من حدة الصراع على هذا المنصب بشكل خاص.
  أما في المجال الداخلي, فقد بدأ إطلاق سراح معتقلي إعلان دمشق، ومنهم الدكتورة فداء الحوراني رئيسة المجلس الوطني, في حين من المرتقب إطلاق سراح الآخرين..

لكن ما يدعوا للاستنكار من جديد هو الإبقاء على الأستاذ علي العبد الله معتقلاً بتهمة جديدة، والحكم على المحامي والناشط الحقوقي مهند الحسني ثلاث سنوات سجن وعلى الأخ محمود سفو عضو اللجنة المركزية للحزب اليساري الكردي بسنة واحدة، واستمرار محاكمة الأستاذ هيثم المالح الطاعن في السن، والعديد من المعتقلين السياسيين الكرد ..

وهذا يعني أن حملات الضغط والاعتقال سوف تتواصل، وتستمر معها الاستدعاءات وملاحقات العاملين في دوائر الدولة وإجراءات وجداول منع السفر..

وفي الوقت الذي يدرك فيه الجميع أن بلدنا يحتاج لتحوّلات ديمقراطية في مختلف الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتي من شأنها تمتين الوحدة الوطنية، وإطلاق الحريات الأساسية، بما فيها ضمان حرية الرأي، ونبذ سياسة الحزب الواحد، والقبول بالتعددية، فإن ذلك لن يكون ممكنا ً إلا من خلال فتح حوار حقيقي، لأنه اللغة الوحيدة للتفاهم والحلول بدلاً من لغة التحقيق والاستجواب والاعتقال، ففي بلدنا سوريا أزمات كبيرة وتحدّيات خطيرة تحتاج للتعامل الديمقراطي الكفيل بحل جميع القضايا التي يعاني منها، اعتباراً من الوحدة الوطنية إلى الاستقلال الوطني، وتحرير الأراضي المحتلة والأزمة الاقتصادية ومشاريع التنمية، وانتهاء بالقضية الكردية التي لن تجد لها حلاً عادلاً بغياب الديمقراطية، حيث تزداد السياسة الشوفينية حدة، من خلال استصدار المزيد من القوانين والمراسيم والإجراءات الاستثنائية، التي تحدّ من تطوّر الشعب الكردي، وتشديد الحصار عليه، بما في ذلك محاولة انتزاع أراضي الفلاحين الكرد الذين يستثمرونها في إطار ما تسمى بـ(أجور المثل)، وكذلك التشكيك بعدالة هذه القضية وبوطنيتها..

ومن المؤسف أن هذه السياسة تجد من ينساق وراءها من بسطاء شعبنا السوري الذين يتخذون من بعض الشعارات المسلوخة عن واقعها ذريعة للتنكر للحقيقة الكردية، التي تعني أن الكرد هم شركاء للعرب وغيرهم من مكوّنات الشعب السوري، وأن القومية العربية لن تبرز سماتها الإنسانية إلا من خلال تلك الحقيقة، وأن سوريا لا يمكن لها أن تكون إلا وطناً للجميع… وأن سياسة التمييز والاضطهاد لن يكون مصيرها سوى الزوال، وإن تمتع الكرد بحقوقهم لا يسيء لأحد، بل يصون وحدة البلاد وسيادتها.

  
       1|7|2010
اللجنة السياسية

  لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا(يكيتي)ِ

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….