عمر كوجريفالقيادي الكردي – خاصة الذي انخرط في لجة النضال لاحقاً، لا يهمُّه إن استمر بالتشبث بكرسيه، وحدث انشقاق في حزبه، فالرجل وصل إلى منصبه ليس بعرق جبينه وإمكانياته وقدراته المعرفية وسعة علمه وثقافته، فهو في الأغلب الأعم شخص قادم من القاع بشقيه الريفي” القبلي” أو المديني” المريّف” لا يحمل شهادات أهلته لمنصبه، ولم يفز في منصبه نتيجة أصابعه البيضاء ونشاطه في إطار حزبه، بل ثمة ظروف – للأسف البالغ – وضعته في منصبه، وهذه الظروف هي حالات الانشقاقات الفظيعة التي أحدثت في جسم الحركة الكردية في سورية، والتي لم تحمل أية منها تقريباً طابعاً مشروعاً متغيراً ومختلفاً عن الحضن الأم بالتوجهات والرؤى والممارسات النضالية والبرامج الجديدة التي تسهم في تأصيل النضال، وحرق المراحل من أجل الإسراع في وصول عموم الحركة إلى أهدافها وتحقيق طموحات وأماني الجماهير الكردية التي ومنذ أكثر من نصف قرن تنتظر دون بارقة أمل تلوح في الأفق، ولعل هذا ما ساهم في فضِّ الجماهير أياديها عن مؤازرة الحركة في الوقت على الأقل.
لذا يتقاتل القيادي الكردي من أجل كرسيه، وعدم الإفراط به حتى لو حدث مئة انشقاق وانشقاق، لأنه وحاله كهذه لا وقت لديه للتفكير بقضايا الجماهير، فطالما أن كرسيه مهدد، فلتذهب كل البرامج والمناهج إلى قمامة التاريخ، وبالتالي شخص لا يملك الإمكانيات ولا المقومات ولا القدرات، وهو في الأصل مشلول فكرياً وثقافياً، ومفلس سياسياً، وليس عنده أدنى شعور بأهمية أن يكون الشخص المناسب في المكان المناسب، وهو إنسان غير ناضج من جميع النواحي، وليس متحمساً بإدارة دفة” النضال” بأي شكل، وفاقد المبادرة لأنه أصلاً لم يملكها، وربما يتميز بالحزم والبراعة في مجال واحد ووحيد وهو نسج المؤامرات، واختلاق المشاكل ” الشخصية عادة” بين رفاق الحزب والغمز من قناة النشيطين، وإعلان حرب ضروس على المثقفين والنشيطين داخل الحزب وذلك ” كي تفضى” الساحة له، ولا يجد في المحفل القادم من ينافسه على منصبه.
ومن هذا المنطلق يكون القيادي الكردي بعيداً كل البعد عن التضحية بمنصبه لصالح الحزب أو الرفاق من هم أجدر منه، وبدلاً من زرع روح المحبة في نفوس الرفاق الجدد، يحاول أن يضمَّهم إلى طرفه عبر إغواء هذا واستمالة ذاك، وإعطاء الوعود الخلبية لمن هو يقودهم، ومناصرتهم وعيادتهم في الأفراح وطهور الأولاد حتى يضمن نجاحه في المؤتمر القادم، ولعل هذا ما يفسر أن كل قيادي وفي كل منظمة حزبية، له أتباع ومريدون ضعاف النفوس وقليلو الحيلة، ينشئ لنفسه ستاراً حديدياً منيعاً، ويجعل من رفاق منظمته تابعين وأزلاماً له، وهنا، عندما يفقد القيادي الكردي الكعكة في أي محفل، فإنه يقوم الدنيا ولا يقعدها، ويشعر نفسه” وعائلته وزوجته” كأن زلزالاً قد حصل في جسم حزبه، و يهدد رفاقه في القيادة بأن منظمته كلها ستتوقف عن ” النضال” إذا شُطبَ من القيادة، وأزيح الكرسيُّ عنه، ومما يستدعي الألم أن معظم رفاق “الرفيق المناضل” يناصرونه بعقلية قبلية لا تمتُّ إلى الحزبية والرفاقية بصلة رغم وجود بعض أصحاب الشهادات والذين تعبوا على أنفسهم يوماً، لكنهم يجدون مكانهم – كالقطيع- عند ذلك القيادي، ولا يستطيعون التخلي عنه، مع أنه لا يملك أية كاريزما من أي صنف!!
ولا ننسى أن بعض زعامات الصف الأول” السكرتير أو الأمين العام ” صنعوا بعض هذه القيادات الهشة لترفع أياديها وأرجلها للزعيم السلطان وقت الحاجة، وللتاريخ كانت هذه الزعامات ” لا سلمت أياديها” مبدعة في اختيار الأرذل والأسوأ والأكثر موتاً والأفضل ” كشاً للدبان” من رفاقها حول عيون الزعيم، هؤلاء الذين كانت تشط” ريالهم” ويطربون، حين يوعدون بمنصب قيادي!!
والمؤلم أكثر أن الكثيرين ممن أبعدتهم المنافي” الطوعية غالباً” والمحيطات، وظروف الخارج وحياته الأسهل من جميع النواحي، والذين صار النضال من أجل شعبهم في آخر سلم أولوياتهم لا يستطيعون التخلص من هوس القيادة، والتشفي من هذا المرض، فتراهم مستعدين لسلوك أي عمل من شأنه إبقاؤهم في دائرة الاهتمام، وضمن إغراء الكرسي، والسباحة في فلكه، ويحاولون أن يكونوا فاعلين في التهام الجسد الحزبي حتى لو بدا ذلك الجسد لا حول له ولا قوة، وينازع للفظ أنفاسه الأخيرة لكثرة الأمواس التي شحذت للقضاء عليه!!! طبعاً هذه الأمواس في الغالب مأجورة، ولم تخلق من عدم.






