العالم ما بعد معاهدة ستارت الجديدة

  افتتاحية نشرة يكيتي *

يبدو أن توقيع كل من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية على معاهدة تخفيض الأسلحة الإستراتيجية الجديدة، ستؤثر على الكثير من الملفات العالقة على مستوى العالم،  خاصة وأنها تقر بشكل ما، بدور روسي أكبر، كلاعب،  وشريك مهم على الساحة الدولية،  بعد تغييب دورها زهاء عقدين من الزمن عملت خلالها على عرقلة مشروع “إعادة صياغة النظام الدولي” في محاولة حثيثة،  لاستعادة دورها،  الذي فقدته منذ انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، وتجاوز الضعف الذي أصابها في مرحلة يلتسن، ويبدو أن اتفاق العملاقين من جديد سيزيل الكثير من العوائق،  أمام سيرورة التغيير،  الذي بات مطلباً عالمياً شاملاً.

 وما قبول إيران، بمبدأ مبادلة مخزونها من اليورانيوم المنخفض التخصيب،  بالوقود النووي،  والذي كانت قد رفضته في السابق، إلا دليلاً على استشعار القيادة الإيرانية الضعف، نتيجة انضمام روسيا إلى الأطراف الدولية، الساعية إلى فرض عقوبات قاسية عليها، تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والتي قد تعقبها إجراءات أكثر قسوة وشدة يفرضها المجتمع الدولي، المتوجس من إمكانية امتلاك القيادة المتشددة في إيران لأسلحة نووية،  تدفعها إلى المغامرة باستخدامها ضد أطراف دولية، بعد أن أعلنت على لسان رئيسها أحمدي نجاد، عن رغبتها في إزالة دول عن الوجود.

إن توقيع إيران مع كل من تركيا الساعية إلى دور إقليمي أوسع، والبرازيل التي تبحث لها عن موضع في نادي الكبار، على اتفاقية مبادلة مخزونها من اليورانيوم المنخفض التخصيب،  بالوقود النووي،  على الأراضي التركية،  وبإشراف ومسؤولية الدولة التركية،  لم تمنحها فرصة تجنب أو حتى تأجيل بحث فرض عقوبات جديدة من قبل مجلس الأمن الدولي عليها وكانت حجة المجتمع الدولي قوية، في عدم قبول الاتفاق باعتبارها نصت،  على احتفاظ إيران بحق الاستمرار في تخصيب اليورانيوم،  فوافقت الدول دائمة العضوية على مسودة قرار العقوبات،   بما فيها كل من روسيا والصين،  اللتان كانتا تعارضان سابقاً،  فرض هذه العقوبات على إيران، مما يوحي بأن المجتمع الدولي بات أكثر إصراراً، وثقة، في المضي قدماً وبحزم، في التعامل مع الملفات المختلفة، وما الحزم الأمريكي في قضية السلام الفلسطيني/ الإسرائيلي، إلا دليلاً آخر، على إصرار واتفاق المجتمع الدولي على حل الملفات العالقة.
إذا  كان المأزق الإيراني، ناتج أصلاً عن حلم راود قادة إيران، في لعب دور أكبر من حجم إيران على المستويين الإقليمي والدولي، فإن التورط التركي في البحث عن دور تركي، يتجاوز حدود تركيا، قد يكون سبباً لأزمات ومآزق ينزلق إليها العثمانيون الجدد، الذين يحاولون تقليد النظام الإيراني، في المزاودة بالشعارات على حساب قضايا المنطقة، فهم يظهرون انحيازاً غير معهود تجاه قضايا المنطقة وشعوبها ومقدساتها (مع الاحتفاظ بعلاقات وطيدة واتفاقيات تكشف زيف ادعاءاتهم) وما تصريحات رئيس وزرائها أردوغان، الانفعالية،  في بعض المحافل الدولية، والنخوة المفاجئة التي انتابته، حرصاً على رعايا الإمبراطورية العثمانية البائدة، إلا كذبة بائسة لا تنطلي إلا على السذج المغفلين،  والزوبعة الإعلامية الأخيرة التي، أثارتها بتهديدها بالانسحاب من الاتفاق المبرم مع إيران، إذا ما رفضه المجتمع الدولي، هي بمثابة الإعلان عن وقوفها إلى جانب إيران الخارجة على الشرعية الدولية، وهي توحي بأنها حريصة على قضايا المنطقة وشعوبها، متناسية أن ذاكرة الشعوب، لم تزل تحتفظ بالمآسي، التي تسببت بها الدولة العثمانية البائدة، ولا تزال جرائمها بحق شعوب المنطقة، وبالأخص بحق الشعبين المنكوبين الأرمني والكردي، ماثلة لا تنسى فضلاً عن أن سجل تركيا الحديث، أكثر بشاعة من تاريخها العثماني.
يبدو أن رهان بعض الأنظمة على الانقسام في المجتمع الدولي، في تمرير مشاريعها والحفاظ على بقائها دون أن تتجاوب مع المتغيرات العالمية، بات رهاناً خاسراً،  خاصة وأن إعادة صياغة العالم، وبناء نظام عالمي يتجاوب مع متطلبات العولمة،  مطلب موضوعي وعالمي، تتوافق عليه القوى الفاعلة في العالم، وهو أمر لا مفر منه،  ولا سبيل أو إمكانية لبقاء مجتمع بعينه أو دولة بعينها خارج العالم مستعصياً على التغيير.

* نشرة شهرية تصدرها اللجنة المركزية لحزب يكيتي الكردي في سوريا – العدد 181 أيار 2010 م  / 2622 K Gulan

لقراءة مواد العدد انقر هنا

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ابراهيم برو ما تشهده محافظة الحسكة من حشد لبعض الشخصيات من العشائر العربية، وما يرافق ذلك من تصريحات تحريضية وعنصرية تستهدف الكرد، فضلا عن بعض الخطابات التي تروج لها وسائل الاعلام وصفحات التواصل الاجتماعي، يمثل ظاهرة خطيرة تهدد السلم الاهلي والاستقرار الوطني. ولا يمكن تجاهل مسؤولية النظام البائد، كما لا يمكن تجاهل الانتهاكات التي ارتكبتها قسد وبعض الفصائل العسكرية المحسوبة…

روني علي وقفة .. ما يهمنا في الأحزاب والأطر الكوردية في غرب كوردستان هو مراجعة ماهيتها وكذلك مبررات وجودها والأهداف التي تسعى إليها … ففيما لو وقفت على مثل هكذا نقاط أعتقد سنتمكن من غربلة الواقع السياسي الحزبي وكذلك الارتقاء بالاداء النضالي .. أما غير ذلك سنبقى نعيش دوامة الانشقاقات والانشطارات والانسحابات.. لأنه باختصار حين لا يتمكن أي حزب من…

تتابع نخبة المثقفين الكورد بقلق بالغ التصعيد المتسارع في خطابات التحريض والكراهية والدعوات التي تستهدف أبناء الشعب الكوردي في سوريا، وما يرافقها من محاولات خطيرة لجر العشائر العربية والمكونات الاجتماعية إلى صراعات قومية لا تخدم إلا أعداء سوريا والساعين إلى تمزيق نسيجها المجتمعي. إننا نوجه تحذيرا واضحا وصريحا إلى كل من يسعى إلى التحريض ضد الشعب الكوردي أو استغلال اسم…

د . عبدالحكيم بشار ما يجري في محافظة الحسكة لا ينبغي التعامل معه بسطحية أو اختزاله في تفاصيل آنية، لأن تداعياته تتجاوز حدود المكان والزمان، وتمس جوهر الوحدة الوطنية والسلم الأهلي. فحتى إن لم يحقق التصعيد أهدافه المباشرة، فإنه يخلّف آثارًا لا تقل خطورة عن الحرب نفسها، تتمثل في تعميق الانقسام داخل المجتمع السوري، وزيادة الاحتقان بين مكوناته. قد لا…