أيها الشيخ… اقرأ القرآن كله

عبد الجابر حبيب

من المؤسف أن نسمع في هذا العصر خطابات تكفير وتحريض تصدر عن بعض رجال الدين، والأشد إيلاماً أن يكون صاحبها كردياً، فنرى رجل الدين الكوردي رامين صالح زادة يدعو إلى تكفير الإيزيديين، وهم أبناء شعبه ووطنه. فعندما يصبح المختلف في الدين عدواً لمجرد اختلافه، نكون قد ابتعدنا عن روح القرآن، و اقتربنا من خطاب الكراهية الذي لا ينتج إلا الفتنة وسفك الدماء.

إن الخطأ الأكبر في مثل هذه الخطابات هو اقتطاع آية، أو آيتين من القرآن، وبناء أحكام عامة عليهما، مع تجاهل عشرات الآيات الأخرى التي تتناول الموضوع نفسه. فالقرآن لا يفسر بعضه بمعزل عن بعض، بل يفسر بعضه بعضاً، ولا يجوز أن نأخذ آيات نزلت في ظروف حرب وعدوان، ثم نعممها على كل من يختلف معنا في الدين.

فحين يقول الله تعالى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، فهذه آية تتحدث عن الحقيقة الدينية من منظور العقيدة الإسلامية، لكنها ليست أمراً بقتل كل من لا يؤمن بالإسلام، ولا دعوة إلى تكفيره أو الاعتداء عليه. ولو كان معناها كذلك، لوقع التعارض مع آيات محكمة أخرى، منها قوله تعالى:

﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾

وقوله ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾

وقوله ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾

 

فهذه الآيات تقرر بوضوح أن الإيمان لا يكون بالإكراه، وأن اختلاف الناس في معتقداتهم سنة كونية شاءها الله، ولم يجعل علاجها السيف ولا التكفير.

إنّ القرآن بدون شكٍّ يأمر المسلمين بالعدل مع غير المسلمين الذين لا يقاتلونهم، فيقول:

﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾

فهل بعد الأمر بالبر والقسط يبقى مجال لدعوات الكراهية والتحريض؟

أما الآيات التي تتحدث عن القتال، فقد نزلت في سياق حروب كانت تُشن على المسلمين، ولم تكن تفويضاً دائماً بقتال كل مخالف في العقيدة. ولذلك فإن إخراجها من سياقها التاريخي، وإهمال الآيات المحكمة التي تؤسس للعلاقة مع الآخرين، هو قراءة مبتورة للقرآن.

والأخطر من ذلك أن يتحول هذا الفهم إلى دعوة لقتل الناس، أو التحريض عليهم. فالقرآن جعل النفس الإنسانية مصونة، ولم يربط حرمتها بدين معين، بل قال:

﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ۖ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾

وقوله عزَّ وجلّ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾

فالآيتان لم تقولا: المسلم”، وإنما قالتا: النفس، لأن كرامة الإنسان وحياته أصل عظيم من أصول الشريعة.

كما أن القرآن لم يمنح أحداً سلطة إصدار الأحكام على مصائر الناس عند الله، بل جعل الحساب إليه وحده، فقال:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.

فالله هو الذي يفصل بين الناس، لا رجال الدين، ولا الخطباء، ولا دعاة الفتنة.

إن مسؤولية رجل الدين أن يطفئ نار الكراهية، لا أن يؤججها، وأن يجمع الناس على قيم العدل والرحمة، لا أن يفرقهم بأحكام التكفير. ومن يدعو إلى التحريض على الإيزيديين، أو على أي جماعة دينية أخرى، فإنه لا يقدم صورة أمينة عن القرآن، بل ينتقي من آياته ما يوافق فكرته، ويترك ما يخالفها.

إن القرآن كتاب يُقرأ كاملاً، لا على طريقة الانتقاء. ومن أراد أن يحتكم إليه، فليحتكم إلى جميع آياته، لا إلى بعضها. أما تحويل آيات نزلت في ظروف استثنائية إلى مشروع دائم للكراهية، فهو ظلم للنص، وظلم للدين، وظلم للإنسان.

ولهذا فإن حماية المجتمع من خطاب التكفير ليست دفاعاً عن الإيزيديين وحدهم، ولا عن أي طائفة بعينها، بل هي دفاع عن جوهر الإسلام نفسه؛ الإسلام الذي جعل العدل أساس الحكم، والرحمة أساس الدعوة، وصيانة النفس الإنسانية من أعظم المقاصد التي لا يجوز المساس بها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

البلاغ الختامي لاجتماع اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا عقدت اللجنة المركزية لحزبنا، الحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا، اجتماعها يوم الأربعاء الموافق 12/8/2026، في مدينة قامشلو، وعبر الأونلاين للرفاق الذين لم يتسنّ لهم الحضور فيزيائياً، حيث بدأ الاجتماع أعماله بالوقوف دقيقة صمت على أرواح شهداء شعبنا والثورة السورية، وعلى روح البارزاني الخالد، والشهيد الحي إدريس بارزاني. تناول الاجتماع القضايا…

د. محمود عباس من أكثر ما أثار انتباهي في الأحداث الأخيرة أن بعض الإخوة الكورد انساقوا، من حيث لا يشعرون، وراء سلّم الأولويات الذي رسمه الإعلام السوري والعربي. انشغلوا بإقدام شابين كورديين على إسقاط العلم السوري، وارتفعت أصوات الإدانة وكأن هذه الحادثة هي جوهر ما جرى، بينما تراجعت إلى الخلفية الجريمة التي سبقتها وأسهمت في إشعال الاحتقان: الاعتداء على المهجّرين…

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…