أحمد رسول *
الصراع التاريخي بين هاتين الدولتين، ايران وتركيا، قديم, يمتد الى القرن الخامس عشر أي منذ ظهور الامبراطورية الصفوية بمذهبها الشيعي, هذا المذهب كان ولا زال من احد عوامل حماية القومية الفارسية في مواجهة الامبراطورية العثمانية السنية, والعثمانيين الجدد حاليا.
استمر الموقف هكذا بسبب الصراعات الداخلية للكيانات الكردية القبلية العشائرية, التي لن تتمكن ان تجعل من نفسها قوة ثالثة في المنطقة.
استغل السلطان سليم الاول الموقف الكردي المشتت, وتمكن من استمالة الامراء الكرد وجلبهم كقوة عسكرية الى جانبه في محاربة الامبراطورية الصفوية الشيعية, بحيث تمكن من الحاق الهزيمة بها في معركة جالديران عام ـ 1514 ـ واصبحت معظم اراضي كردستان تحت حكم الامبراطورية العثمانية, التي سمحت للاكراد على ادارة الشؤون الداخلية لمقاطعاتهم , مع الالتزام بسلطة الامبراطورية العثمانية.
فإن النظام الملالي الصفوي الشيعي جعل من كردستان ايران مسرحا للحرب على الكرد يعتقل ويعذب ويقتل ويعدم بنات وشباب الكرد الابطال والمناضلين بالجملة, دون رحمة او شفقة, ويقصف ارضا وجوا سكان وقرى كردستان العراق.
اما الدولة التركية والعثمانيون الجدد فقد جعلوا من ارض كردستان تركيا ساحة اخرى للحرب يحرقون القرى الكردية ويهجرون اهلها ويمارسون سياسة الابادة تجاه الشعب الكردي.
هناك الآلاف من ساسة الكرد في السجون يضاف الى ذلك قتل الاطفال وخطف الصحفيين وقتلهم واعتقال بنات وشباب الكرد.
هناك حالة الطوارئ والاحكام العرفية في المناطق الكردية وحشود ضخمة للجيش التركي على حدود اقليم كردستان العراق, حيث يقصفون قرى الاقليم ويعرضون السكان لاخطار الحرب دون ان تأخذ الامم المتحدة وأمريكا الدولة المحتلة للعراق موقفا ايجابيا ضد هذا التدخل السافر والمخالف للعلاقات الدولية, وهناك الدولة السورية تقوم بالمناورات العسكرية مع الجيش التركي على حدود اقليم كردستان.
ان العثمانيين الجدد يحاولون استقطاب القيادة الكردية في الاقليم الفيدرالي لاشعال فتنة بين الحركات التحررية الكردية ولاجل استنزاف واضعاف القوى الكردية الوطنية على الصعيد الكردستاني, وان يجعلوا من كردستان العراق موطئ قدم للتدخل في شؤون العراق, لمنافسة التدخل الايراني سياسيا واقتصاديا ومذهبيا .ان الدولة التركية ترى في العراق عمقا استراتيجيا لها في علاقاتها مع دول الخليج وقد صرح وزير خارجيتها داوود اوغلو اثناء زيارته لاربيل بهذا الشأن فقال: “ان انقرة واربيل هما مدينتان تركيتان وانقرة واسطنبول عراقيتان واضاف في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الاقليم مسعود البارزاني: اشعر انني في وطني في اربيل, بالرغم من انها زيارتي الاولى الى المدينة العراقية, وتشكل هذه المنطقة مصلحة كبيرة بالنسبة الينا”, ثم قال اوغلو “اي تهديد لأمن العراق هو تهديد لتركيا التي ستكون بوابة العراق الى اوروبا, والعراق سيكون بوابة تركيا الى منطقة الخليج والجنوب”, ورد البارزاني: “واعتبر ان اقليم كردستان يمكن ان يكون جسرا لتركيا, تمهيدا لبلوغ المناطق الاخرى في العراق”.
يقول رئيس الاقليم اثناء كلمته في البرلمان: “ان لتركيا دورا فاعلا في المنطقة, لذا فإن تعزيز العلاقات سيصب في خدمة وأمن واستقرار المنطقة وزيارتي الى انقرة هي لتعزيز العلاقات على كافة المستويات”.
ماذا يقصد رئيس الاقليم بكلمة كافة المستويات!!… هل يدخل ضمن هذا المستوى معاقبة قوات حماية الشعب وحركة حرية كردستان لأن مشروع تركيا والتحالف الثلاثي( ايران وسوريا وتركيا) يدخل ضمن برنامج أمن المنطقة واستقرارها, وهم يقصدون بذلك القضاء على حزب العمال وحركة حرية كردستان والمؤامرة على اقليم كردستان العراق لضرب المكاسب التي حققتها حتى الآن, أم يريد رئيس الاقليم تشكيل قوة كردستانية ثالثة في المنطقة للتفاوض مع الدولة التركية حول الامن والاستقرار في المنطقة بما في ذلك المصالح الكردستانية في الاجزاء الاربع من كردستان.
على رئيس الاقليم ان ينتبه لألاعيب الدول المجاورة على الكرد, وان لا ينخدع باقوال ودبلوماسية العثمانيين الجدد, وان لا يبقى صامتا تجاه قرارات اللجنة الثلاثية, وان يكون حذرا من مخططاتهم .
على رئيس الاقليم ان يتذكر قول اردوغان اثناء التوتر مع الاقليم وهو انه غير مستعد للحديث مع زعماء العشائر , وفي تصريح آخر لاردوغان للصحفيين: “انه يريد ان تعمل واشنطن مع انقرة كحليف استراتيجي ضد الاكراد.
واضاف ربما لا تريد امريكا ان نقوم بعملية عبر الحدود, لكننا نحن الذين سنقرر ما اذا كنا سنفعل ذلك ام لا”.
بالمقابل قال مسؤول أمني في انقرة في مدحه للعثمانيين: العرب خانونا, والفرس خصومنا, واليهود حلفاؤنا, ثم قال خيانة العرب التاريخية للامبراطورية العثمانية متجذرة في وعينا, والخصومة الثقافية مع ايران هي جزء من التربية عندنا, بينما اسرائيل واليهود هم حلفاؤنا الطبيعيون, اقوال تعبر عن عنصرية النظامين تجاه القوميات والامم الاخرى وكل يعمل بطريقته وفقا لاجندته الخاصة في المنطقة.
يقول تقرير لمعهد السلام الامريكي: “الدور التركي له بالغ الاهمية في استقرار العراق والمنطقة ويقصد بذلك ضمنا مواجهة الدور السياسي والاقتصادي لايران في القوقاز وآسيا الوسطى والشرق الاوسط..
ان الاستراتيجية الامريكية تسير باتجاه تعميق العلاقات الامريكية مع تركيا لتجعل منها الدولة الاسلامية المعتدلة والقوية في المنطقة, ولتكون منافسا قويا للنظام الملالي الاسلامي المتطرف فيما يخص في علاقاته مع حركة حماس وحزب الله في لبنان وسوريا بالاضافة الى ذلك تعول ادارة اوباما الى الدور التركي المكثف في المصالحة المنوطة بها بين اسرائيل وسوريا ومفاوضات السلام في المنطقة مع اسرائيل.
ان اتفاقية مبادلة اليورانيوم على ارض تركيا, الموقعة بين تركيا والبرازيل, وايران ما هي الا مسرحية سياسية تخدم الاجندة التركية التي تريد ان تظهر النوايا الحسنة تجاه ايران لدعم العلاقات العسكرية الثنائية بين البلدين ضد المسألة الكردية وتخوفا من تطورها في ايران, ولتصبح هذه الاتفاقية مصدر ثقة في العلاقات بينهما, علما ان الحكومة التركية تعلم جيدا بأن أمريكا ومجلس الامن لا توافقان على هذه الاتفاقية, ولكن ورقتها رابحة سياسيا على المستوى المحلي والاقليمي والاسلامي.
بدون شك يتكلم اردوغان الحقيقة, ولا يخفيها عن أحد!!.
هناك العشرات من الرؤوس النووية, منها استراتيجية واخرى تكتيكية, وهناك ايضا اسلحة الدمار الشامل على اراضي تركيا في اطار حلف الشمال الاطلسي, وقسم منها تحت تصرف الدولة التركية, لماذا لا يعلن اردوغان عن هذه الحقيقة للملأ, في الوقت ذاته يطالب, بشرق اوسط خالي من السلاح النووي.
ان تركيا الحليف الاستراتيجي لاسرائيل والتي ترتبط معها بإتفاقيات عديدة وبالاخص في المجال العسكري مع وجود خبراء اسرائيليين في صفوف الجيش التركي لايمكن لها ان تستعمل صواريخ “الناتو” ضد حليفتها اسرائيل.
الغاية من جعجعة أردوغان هي المزايدة السياسية على الحكومات العربية, نتيجة الفراغ السياسي لدور هذه الدول, واستقطاب اكبر عدد من المجتمع العربي الى جانبه لدعم سياسة الاسلام المعتدل للعثمانيين الجدد, والمنافسة الاقليمية بالدبلوماسية الناعمة ضد ايران.
ان الحادث المؤلم والمجزرة البشعة التي ارتكبتها قوات الجيش الاسرائيلي, بحق الابرياء في اسطول الحرية في المياه الدولية, والتي ادت الى القتلى والجرحى, هولاء الذين ارادوا فك الحصار عن غزة, وتقديم المساعدات الانسانية لاهل غزة, كانوا ضحية للسياسة الاسرائيلية العدوانية ضد الشعب الفلسطيني, وضحية السياسة الاقليمية والدولية.
هناك مسؤولية تقع على عاتق الحكومة المصرية التي تغلق في اكثر الاحيان المعابر بين غزة ومصر, وهناك مسؤولية تقع على القيادات الفلسطينية التي لن تتمكن حتى الآن من ايجاد وسيلة لحل خلافاتهم, بسبب ارتباطاتها بقوى خارجية, تملي عليهم اجنداتهم الخاصة بهم, وهناك المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الدولة التركية, التي صممت مهما كان الثمن , على ارسال اسطول الحرية, لفك الحصار عن غزة, وذلك بخصوص اجندة سياسية معينة لها على المستوى الاقليمي, علما ان الدولة الاسرائيلة حذرت تركيا من عواقب هذا الاجراء , واكدت بمنع وصول الاسطول حتى لو تطلب الامر بالتدخل العسكري والآن يوجه اردوغان انتقادات شديدة اللهجة الى الحكومة الاسرائيلية, معتبرا ان الجريمة عمل دنيئ وغير مقبول وان عليها دفع ثمن ذلك واشار الى إلغاء ثلاث مناورات عسكرية مع اسرائيل, ثم طالب الامم المتحدة ألا تكتفي بقرار الادانة, عليها القيام بإجراء تحقيق سريع ومحايد وفرض عقوبات .
اذا أراد رئيس وزراء تركيا ان يعاقب اسرائيل ويجعلها ان تدفع الثمن, عليه ان يقطع العلاقات الاستراتيجية العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية مع دولة اسرائيل , تعاطفا مع القضية الفلسطينية , ولاجل فك الحصار عن فطاع غزة ليكون بداية لارسال اساطيل الحرية الى القطاع
ان اردوغان لا يتألم لقتل الاطفال الكرد واعتقال شباب الكرد وبناتهم وتعذيبهم في السجون, واعتقال ساسة وكوادر حزب السلم والديمقراطية, ولا يخاف اردوغان المسلم من ربه في اختطاف الصحفيين الكرد ومحاكة بعضهم بأكثر من مئة سنة, وقتل بعضهم خنقا ان اردوغان لا يحاسب ضميره في حرق القرى الكردية, وتهجير اهلها, وتدمير التراث الكردي وحضارتهم تحت المياه, ومنعهم التعلم بلغتهم , انه لا يحاسب نفسه في الحرب الدامية على ارض كردستان وسياسة الارض المحروقة, ولا في باله برفع حالة الطوارئ والاحكام العرفية عن ارض الكرد.
على السيد اردوغان ان يعود الى الصواب والتعقل, وان يتحاور مع ممثلي الشعب الكردي الحقيقيون, لوضع نهاية لهذه الحرب القذرة والدامية, وان يعترف بالحقوق القومية المشروعة للكرد , وان يرتب بيته الداخلي قبل التأشير بإصبعه على الآخرين .






