المعارضة التركية… على نهج الممانعة العربية

نزار آغري *

في تركيا هناك استقطاب حاد يجعل الطرفين، الحكومة والمعارضة، أشبه بعدوّين يخوضان غمار حرب طاحنة.

وهي حرب بالفعل ولكن من دون سلاح، حتى الآن على الأقل.

وإزاء الخطوات الثورية التي تقوم بها الحكومة، في كل الميادين، تصاب المعارضة بالتشنج وتقوم بردود فعل متوترة وشبه طفولية.

تتماهى أحزاب المعارضة التركية، أكثر فأكثر، مع الجيش الذي يرى فيه الكثير من الأتراك، وغير الأتراك بالطبع، نموذجاً صارخاً على الغطرسة والغرور، هو الذي كان، على الدوام، فوق القانون وسيفاً مصلتاً على رقاب الحكومات المدنية ولم يتورع عن الخوض في انقلابات دموية كلما تراءى له أن هذه الحكومات تحيد عن الطريق المستقيم للعقيدة الكمالية.
أكثر من ذلك، لم تتردد أحزاب المعارضة في الدفاع عن عصابة أرغنيكون التي كانت أقامت دولة داخل الدولة، يسميها الأتراك بالدولة العميقة، وتألفت من العناصر القومية المتعصبة وبعض كبار الضباط في الجيش والمافيات التي مارست التصفيات بحق من اعتبرتهم خطرين على الأيديولوجيا الطورانية المتشددة.

وقد دافع زعيم حزب الشعب الجمهوري، المعارض، عن المعتقلين من أرغنيكون، على رغم تورطهم المفضوح في جرائم وخطط غير شرعية للإطاحة بالحكومة وتصفية قوى وشخصيات كردية ويسارية.

كما أن أحزاب المعارضة تناهض الخطوات التي قامت، وتقوم، بها الحكومة للانفتاح على دول الجوار والتقارب مع الاتحاد الأوروبي والسعي في حل المشكلة الكردية.
ولا تتورع أحزاب المعارضة عن اتهام الحكومة بالعمالة للغرب وأميركا والتفريط بالسيادة الوطنية والاستسلام أمام حزب العمال الكردستاني والخنوع للوبي الأرمني وما إلى ذلك.

وتعزف هذه الأحزاب على وتر التعصب القومي والاعتزاز بالعرق التركي وتمضي في إهانة القوميات الأخرى والاستخفاف بلغاتها وثقافاتها وتراثها.

وهي تبرر التمييز العرقي والقمع الذي يمارس بحق القوميات غير التركية بالقول إنها، أي هذه القوميات، تسعى في تدمير الأمة التركية.

وعندما انتقد رئيس الوزراء، رجب طيب أردوغان، الأشخاص الذين «يحاولون ممارسة العمل السياسي فوق جثث الجنود الذين سقطوا في مواجهة حزب العمال الكردستاني»، غادر نواب «حزب الشعب الجمهوري» قاعة البرلمان احتجاجاً.

وقبل ذلك اتهم الزعيم السابق لحزب الشعب الجمهوري، دنيز بايكال، رئيس الوزراء «بالتعاون مع إرهابيي حزب العمال الكردستاني».

أما حزب العمل القومي، بزعامة دولت بخجلي، فإنه لا يكف عن الحديث عن «خيانة الوطن» التي ترتكبها الحكومة.
ويبدو حزب العدالة والتنمية وكأنه أخذ على عاتقه القيام بمهمة انتحارية تكمن في التصدي لهذا الجبروت المعارض وتجاوز العراقيل التي يضعها في طريق التحول الديموقراطي في تركيا من حيث تصفية تركة الماضي الثقيل من المجتمع التركي وإبعاد قبضة الجيش عن رقبة الحكم المدني والتخلص من استبداد العلمانية المتطرفة المتدثرة برداء القومية المتشددة.
ويذيع حزب الشعب الجمهوري في الناس أن حزب العدالة والتنمية يشكل خطراً على المواطنين الأتراك وعلى سيادة الدولة التركية واستقلالها.

ومع هذا لم يتمكن الحزب، الذي ينهض على جذور قومية واشتراكية ونقابية، من كسب رضى النقابات العمالية والجماعات التقدمية ومنظمات المجتمع المدني.

وظهر للعيان زيف الخطاب الذي ينطق به هذا الحزب، وسواه في المعارضة، من جهة الحديث عن الديموقراطية والعدالة الاجتماعية والحقوق الأساسية للأفراد والجماعات المهمشة.


وأدى انكشاف خواء المزاعم التقدمية للمعارضة وكذب شعاراتها عن الحق والمساواة والحداثة إلى تضعضع قوامها وتفتت أركانها وانفضاض الكثير من جمهورها التاريخي عنها.

وقد أدى ذلك إلى فقدانها تماسكها وظهورها أمام الناس في هيئة جماعة تفتقر إلى الرؤية السياسية السليمة.

وإزاء ذلك لم تجد هذه الأحزاب سوى الحكومة كي تعلق عليها فشلها (تماماً كما تفعل قوى الممانعة العربية).

ووصل الأمر بزعيم حزب الشعب الجمهوري إلى حد القول بأن لديه أدلة على أن حكومة حزب العدالة والتنمية تتعاون مع المخابرات المركزية الأميركية للعمل ضده‏‏.‏
أما الحكومة فقد تبنت الشعار الذي كان أطلقه أتاتورك، «سلام في الداخل، سلام في الخارج»، وهو الشعار الذي كان يفترض بحزب الشعب، حامل الأيديولوجيا الكمالية، أن يكون السباق إلى التمسك به والسعي في تطبيقه.

وتبدو الحكومة، التي قامت بخطوات عملاقة على صعيد توفير أرضية السلام الخارجي على أساس تصفير المشاكل مع البلدان المجاورة، مصمّمة على تحقيق السلام في الداخل أيضاً.

ويطمح رجب طيب أردوغان ورفاقه في حزب العدالة والتنمية في الوصول إلى حل للمشكلة الكردية يقوم على معادلة التعدد في إطار الوحدة.

والأمر الغريب والمفاجئ وغير المفهوم هو قيام حزب السلام والديموقراطية، الكردي، بمناهضة خطوات الحكومة في إجراء التعديلات الدستورية التي تتيح المزيد من الحرية للأكراد وتبعد من كاهلهم شبح إغلاق أحزابهم.

لقد وقف الحزب الكردي، متأثراً بتحريض الجماعات الكردية المتشددة، في وجه الإصلاحات التي تنشد الحكومة القيام بها.

ويبدو كما لو أن تحالفاً «غير مقدس» تحقق بين القوميين المتشددين الأتراك والحزب الكردي.
مفارقة المشهد السياسي التركي تقوم في أن الحكومة، التي يقودها حزب إسلامي، هي التي تتزعم حركة التغيير نحو الحداثة والتغيير والالتحاق بالاتحاد الأوروبي وتوثيق العلاقة مع الولايات المتحدة وإطلاق المجال أمام الحريات ورفع اليد عن المجتمع المدني وإبعاد الجيش عن الحكم وترسيخ الديموقراطية وحكم المؤسسات، فيما تحاول الأحزاب المعارضة، في المقابل، تأبيد الأحوال القائمة الموروثة عن عهد الانقلابات وهيمنة الأيديولوجيا القومية العسكرتارية وتفشي أجواء التوتر والخوف والإرهاب وإقصاء الجماعات والقوى الأخرى التي لا تشاطرها نزعتها المتصلبة.
المفارقة الأخرى تقوم في أن قوى الممانعة العربية تجعل من حزب العدالة والتنمية، وليس الأحزاب التركية المعارضة، نموذجاً يحتذى.

سلوك هذه القوى أقرب إلى أحزاب المعارضة التركية في كل شيء تقريباً، هي التي تستهين بالدولة وقوانينها وتملك قواها الضاربة في ما يشبه دولة داخل الدولة، ولا تكف عن تخوين المخالفين لها واتهامهم بالعمالة لأميركا والغرب، أي بمن يقيم حزب العدالة والتنمية أوثق العلاقات معهم.
* كاتب سوري.

جريدة الحياة السبت, 29 مايو 2010

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…