السبيل الى تعميق تجربة كردستان العراق

صلاح بدرالدين

   متابعة الحياة اليومية في اقليم كردستان العراق ومهما شهدت من أحداث وحوادث مؤلمة في بعض الأحيان الى جانب التسارع الهائل في البناء والاعمار وتشييد البنية التحتية في الاقتصاد وقطاعات الصحة والتعليم والثقافة في اطار الأمن المجتمعي والاستقرار وتعزيز حركة المجتمع المدني لن تكون سببا لغض الطرف ولو للحظات عن القضية المركزية الجامعة المتمثلة بمدى قدرة شعب الاقليم بمكوناته المتعددة ومؤسساته التنفيذية والاشتراعية والقضائية وأحزابه الحاكمة والمعارضة ومنظماته غير الحكومية  في الحفاظ على انجازه الفدرالي التاريخي كشكل متقدم من حق تقرير المصير وتجربته الديموقراطية الوليدة الواعدة التي تحتاج الى الرعاية والتطوير المستمرين في ظل العراق التعددي الجديد المقام منذ سبعة أعوام على أنقاض أعتى الدكتاتوريات دموية واستبدادا في التاريخ الحديث.
   الحرص الشديد ومن منظور قومي – انساني على انجازات اقليم كردستان بعد عقود من الكوارث والمعاناة وحملات الابادة يقودنا الى محاولة التعرف على ملامح المرحلة الراهنة والوقوف عليها بتمعن بما فيها من مكاسب وايجابيات وما يعتريها من نواقص وما يواجهها من تحديات داخلية وخارجية ويدفعنا بالتالي الى استخلاص نتائج ملموسة قد يؤدي الاشارة اليها والدعوة الى تطبيقها تقديم خدمة للمساعي المبذولة من أجل تخطي الأزمات وايجاد الحلول للمعوقات في مسيرة التقدم الحاصل بفضل التضحيات الجسام لشعب الاقليم بكل مكوناته وبعد نظر قيادته السياسية تجاه الأحداث والتطورات حلوها ومرها.

  في تشخيص التحديات والمهام
  هاجس الأمن هو الطاغي في كل العراق ومن ضمنه اقليم كردستان رغم تميزه بنوع من الاستقرار المعرض دوما الى الاختراق من الجهات الداخلية والخارجية اذا علمنا طول حدوده المتشاركة مع ثلاثة دول تحكمها أنظمة وحكومات لها أجندات خاصة ومشتركة اما معادية للكرد أو حذرة من القضية الكردية أو لاتريد الخير لاقليم كردستان والنظام الفدرالي المتبع في العراق ككل فالإرهاب هو أول الأخطار التي يتعرض له الاقليم وحادث استشهاد الطالب الجامعي – سردشت عثمان – أعادت مرة أخرى الى الأذهان مخاطر هذه الآفة وانعكاساتها السلبية على كافة مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية نرى في العديد من الدول يجري استخدام قوانين استثنائية طارئة على حساب الحريات العامة بحجة محاربة الارهاب وفي الاقليم الكردستاني تتم مواجهة الارهاب والحفاظ على أمن المواطن واستقرار المجتمع من دون اللجوء الى قوانين استثنائية خاصة مما يعني نجاح التعاون المثمر بين الحكومة والمجتمع المدني في التغلب على مخاطر الارهاب وهذا يعد أحد الأوجه المشرقة  في خصوصية تجربة الاقليم ومبعث فخر شعبه مقارنة بالحالة القائمة في العديد من دول العالم والجوار ومن بينها سوريا التي تعيش حالة الطوارىء والحكم العرفي منذ أكثر من خمسة عقود تحت ذرائع واهية بهدف احكام التسلط وخنق المعارضة والحفاظ على نظام الاستبداد.
   التحدي الآخر أمام شعب الاقليم يكمن في استكمال خطوات تطبيع الوضع الفدرالي من حسم أمر اعادة المناطق الكردستانية المقتطعة لأسباب عنصرية والمختلفة عليها الى الحضن الأم وتنفيذ بنود الدستور بما فيها المادة 140 حول كركوك ومناطق أخرى وترسيم حدود الاقليم بصورة نهائية وفي ذات السياق حل الاشكالات بين هولير والمركز الاتحادي بخصوص النفط والغاز والصلاحيات والمستحقات والأمور العسكرية وغيرها ولاتقل أهمية مما سبق عملية تنشيط مساهمة الاقليم بقيادته السياسية وسلطاته التنفيذية والاشتراعية في القضايا الوطنية العراقية وفي المقدمة التهيء لمرحلة مابعد انسحاب القوات الأمريكية والحفاظ على سيادة العراق واستقلاله من أية أطماع وخاصة من الجوار وتسريع العملية السياسية الديموقراطية بمافي ذلك تشكيل حكومة الوحدة الوطنية والمضي قدما في مسيرة التغيير في المنطقة الذي افتتحها ودشنها العراق الجديد منذ اسقاط النظام الدكتاتوري الشوفيني.
   أما بشأن ترتيب البيت الكردستاني وهو تحد داخلي كبير قد يحتاج الأمر الى جهود وتضحيات وبرامج وخطط مدروسة والمدخل كما أرى هو جعل الانتقال من منطق الثورة الى منطق الدولة أكثر سلاسة بحيث لايتم الاخلال بالتوازنات الموضوعية على الصعيد الاجتماعي وفي مجالات الادارة بوضع العنصر المناسب في المكان المناسب حسب القدرة والكفاءة وليس الانتماءات الحزبية والجهوية ومن أجل تحقيق مبدأ التداول السلمي على السلطة لابد من الاتفاق على الهدف الوطني الكردستاني والعراقي اضافة الى القومي الكردي وإستراتيجية تحقيقه
 والتوفيق ما بين استحقاقات مرحلة التحرر الوطني واستحقاقات الممارسة الديمقراطية والحسم في مسألة علاقة الدين بالسياسة والدولة على قاعدة (الدين لله والوطن للجميع)، الأمر الذي يحتاج الى حظر تسييس الدين أو أسلمة الساسة كما أن الساحة الكردستانية بأمس الحاجة الى مشروع قومي – وطني خاصة في المرحلة الانتقالية الراهنة علما أن القيادة السياسية الكردستانية  كانت سباقة في الماضي وحتى قبيل سقوط الدكتاتورية في صياغة وطرح المشاريع والبرامج والدساتير حيث نلحظ أن النخب الثقافية والجيل الشاب المواكب لتجربة الاقليم وحتى المواطن العادي لايتوقفون عن طرح التساؤلات المشروعة حول الحاضر والمستقبل وعن المشروع الوطني ان وجد ومضمونه وأهدافه وآلياته.
   تساؤل آخر يشغل بال المواطن الكردستاني حول مصير الأحزاب التي فات أوانها ولن تكون ذات جدوى الا باعادة بنائها من جديد خاصة وأنها وبكل تاريخها النضالي المعطاء سابقا تحولت بعد استلام السلطة أو المشاركة فيها أو الاستفادة منها الى مصدر رئيس للاختلاف والمواجهة وحتى التقاتل حيث تحمل السلاح ويتم فيها التداخل بين السياسي والعسكري مما تهدد التماسك المجتمعي والروابط القومية والوطنية وانجازات شعب الاقليم مما تستدعي المصلحة الوطنية والقومية تجريد الأحزاب والجماعات من السلاح عبر استصدار قرار من البرلمان واعتبار الحكومة هي المسؤولة عن أمن المواطن والمنوطة بالسهر على مصالحه عبر أجهزتها وسلاحها من جانب آخر اعتماد قرار آخر بفرض الحظر على أية علاقات حزبية خاصة سرية أو علنية من دون موافقة الحكومة خارج حدود الاقليم وبالأخص مع أنظمة وحكومات وأجهزة دول الجوار التي تقتسم الشعب الكردي الى جانب ذلك يمكن التفكير الجاد بمدى نجاعة البحث عن سبل أخرى لتفادي الوضع الناشىء من تقليص دور الأحزاب ومنها على سبيل المثال عبر مؤتمر شعبي عام تعددي يكفل مشاركة كل الأطياف والألوان الكردستانية أقواما ومكونات لاعادة اللحمة من جديد والتوافق على مشروع قومي – وطني جامع شامل يجيب على كل التساؤلات.

   الأزمة في الحركة الحزبية في سائر أجزاء كردستان مستفحلة وان أي علاج من الجذور يجب أن يتم في الاطار القومي – الوطني معزز بحماية الجماهير الواسعة بعد فشل الاتفاقات الحزبية الجانبية التي اما استندت الى مفاهيم العقلية الفئوية الضيقة بعيدا عن نهج – الكردايتي – الواسع والمنفتح أو اعتمدت المحاصصة أساسا لها كما في الحالة الكردية العراقية التي تحتاج الى حكومة قوية تحت أنظار البرلمان ومراقبته ومساءلته تطبق الدستور والقوانين أي حسب منطق الدولة الحضاري وبذلك لن يعود شعب كردستان أسير انفعالات الأحزاب والجماعات وضحيتها  بعد تجريدها من السلاح والصلات مع الجهات المعادية ولن تبقى تجربة الاقليم التاريخية الثمينة في مهب الريح ودرجة الخطر أما مسألة الاصلاح الحزبي فالتجربة الكردية وتجارب أحزاب التحرر الوطني في المنطقة أثبتت لنا أمرين : الأول – أن غالبية الأحزاب لم تعد قابلة للاصلاح بل تحتاج الى اعادة بناء من الجذور القاعدية تشمل تجديد التنظيم والقيادة والبرنامج الفكري – السياسي والوسائل والمهام بالطرق المنظمة المدروسة أما الثاني – استحالة اجراء الاصلاح أو اعادة البناء عبر أفراد كانوا رموزا للصراعات داخل الأحزاب وأججوا لاقتتال الداخلي ومارسوا الارهاب الفكري والعنف الجسدي بحق المقابل المختلف في مراحل وأوقات مختلفة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…

نورالدين عمر بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية. أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟ كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك…

د. محمود عباس ليس كل ما يُقال نقدًا هو نقد، وليس كل من يتحدث باسم الكورد ينتمي إلى قضيتهم، ما يجري اليوم ضد (ليلى زانا) ليس مجرد هجوم عابر، بل اختبار لوعي الشارع الكوردي، وبداية مسار خطير إن لم يُفهم في توقيته ومعناه. في الآونة الأخيرة، وبعدما تخطت القضية الكوردية حدود الجغرافيا التي فُرضت عليها تاريخيًا، وبدأت تفرض حضورها في…