الحياة الداخلية للأحزاب..! (مثال الأحزاب الكوردية)

دهام حسن

أبدأ مقالتي بهذه الحكاية الطريفة، وهي لا تخرج من صلب الموضوع الذي نحن بصدد تناوله، أحد الأصدقاء وقف على بند في النظام الداخلي لاتحاد الشباب الديمقراطي، كان هذا البند يحول دون ترشّح هذا الصديق وتبوّئه بالتالي منصبا ما، بسبب كبر سنّه، فهبّ هذا الصديق قائلا: أليس نحن من أنشأ هذا النظام، إذن سنقوم بتغييره في الحال، وتنتهي بهذا المشكلة…

أقول لا النظام الداخلي ولا برنامج الحزب ولا قراراته وحتى مؤتمراته بقادر من فعل شيء من تحسين وتغيير في حياة الأحزاب الداخلية، في ظلّ التخلف الاجتماعي، والعقلية العشائرية، وطغيان القيادة، وتحكم السكرتير
 كل هذا سيبقى حبرا على ورق ما لم يتيسر للحزب كوادر جيدة واعية مخلصة، وبالتالي تتفق على صياغة نظام داخلي مرض  لدرجة ما، لكن أنّى للحزب تلك، الكوادر والكفاءات، ونظام داخلي متطور ومقبول، هذا المعادلة صعبة جدا جدا، لأن مواطن التأثير والإغراء والإفساد والتغيير في قناعاتنا كثيرة، وهذه الأسباب تقطر علينا من كل حدب وصوب، وربما حرّكت غرائزنا باتجاه مغاير لقناعاتنا وسط إغراءات تأخذ بألبابنا، فعندما نعطى من صلاحيات واسعة، كثيرا ما نسيء من استخدام تلك الصلاحيات فنوظفها لمصلحتنا..

لقد درجنا على حبّ الطاعة والخضوع والانقياد كتقليد في مجتمعاتنا، وفي حياتنا العسكرية، هكذا كان الآغا في مضافته، وهكذا أصبح المسؤول في خليته الحزبية، وهكذا قال العريف في وحدته العسكرية، أوامر الآمر الناهي، والتزام المأمور..
لقد نقلت إلى أحزابنا الصيغة الستالينية في التنظيم، والنظام الداخلي، وجاء التشدّد في لفظة الطاعة والخضوع في مبدأ المركزية الديمقراطية، أي (خضوع الأقلية للأكثرية) وقرارات القيادة ملزمة..

وهنا من باب الإيهام والتنفيس، جاء النظام الداخلي  ليقول ما معناه، للعضو حق الاستفسار والاعتراض على أية مسألة لا يرى فيها وجه الصواب، لكن الاعتراض لا يكون بعرض وجهة نظر مخالفة أمام جمهرة من الرفاق، أو في صحيفة الحزب، ناهيك عن إفشائه أمام الملأ، بل يحق للعضو أن يبدي اعتراضه فقط ضمن فرقته الحزبية، أي في نطاق ضيق ومحدود ومغلق، وينتظر الجواب وفي الغالب لا يأتيه أي ردّ، هكذا كان شكل التعبير عن الرأي وما يزال، وحاله كحال من يصيح في واد، فلا يسمع غير صدى صوته يرتد ويتردد..

وهذا ما يطالب بصوابية هذا المبدأ واستمراره، القادة المتنفذون اليوم، والذين يصرون على سريانه..
جل أحزابنا اليوم، تركز على المركزية المشددة، وتفتقد في تعاملها للشفافية، والروح الرفاقية، فالسكرتير دوما يتقدمهم فيتراءى هو ونسق من رفاقه خلفه كسرب من اللقالق، حتى لو كان يصغرهم سنا, ويتكرر المشهد حتى لو حلّوا في أي محفل شعبي غير رسمي لا يستدعي مثل هذا التظاهر الهرمي، كمناسبات التعزية أو الأعراس، أو زيارة ما للمعايدة، ولا بأس من هذا الترادف، لو كانت الزيارة تتم في إطار لقاء سياسي…
 
مكابدة الأحزاب الكوردية عديدة، فهي أولا مع النظام الحاكم، حيث لا وجود لقانون الأحزاب، أي أن الأحزاب تعمل في سرية، لكنها أيضا فرضت نفسها على المشهد السياسي، لتظهر بالتالي وكأنها نصف علنية، غير أنها بالمقابل تشرذمت على شكل  خلايا أو وحدات صغيرة، كثيرا ما تتبادل أطرافها شتى التهم والنعوت، وكل رجائنا وتمنياتنا أن ترقى أحزابنا إلى مستوى من العمل والنضال، لكن لن يتحقق ذلك إلا بتضافر جهود تلك الأحزاب مجتمعة، أو بأكثريتها الساحقة، وهذا ما نرجوه، وندعو له..
هناك مسائل داخلية تسيء إلى سمعة ومكانة الحزب، غياب الكادر الجيد، بل أحيانا كثيرة إبعاده، والاستغناء عنه، حتى لا يصبح عالة على القيادة، أو حتى لا يضج السكرتير (بثرثرته) غياب الديمقراطية في نظام الأحزاب، من حيث العلاقة بين الأعلى والأدنى، أو علاقات الرفاق فيما بينهم، التراتبية الهرمية في الأحزاب تصبح تشريفا لا تكليفا، هناك كوادر جيدة وجديرة تتبوأ مواقع حزبية رفيعة، لكن سرعان ما تفسدها المؤسسات الحزبية، عندما يتيح له الموقع الحزبي من صلاحيات تجعله يغترّ لما بين يديه، فيضرب شمالا ويمينا، وكثير من هؤلاء ينظرون إلى الحزب كهيكل تنظيمي، وعمل روتيني، لا كآلية نضالية في سبيل تحقيق مهمات يرسمها النظام الداخلي المجمع على اعتماده في المؤتمر الأخير..

ونحن نعلم كما قال لينين: (إن المؤتمرات لا تبدع الجديد بقدر ما تثبت  نتائج ما تمت صياغته)..
إن حيوية أي حزب في حيوية أعضائه، ورفده باستمرار بالكادر الجديد الشاب الجدير بالثقة، وأن يترك للرفاق حرية الجدل في المسائل الفكرية والتنظيمية  والتواصل مع المحيط، وعلى كل عضو أن يشعر أنه قائد في حزبه، وعلى الجميع أن يحترموا مسؤوليهم، ويحاذروا أن يؤلهوا السكرتير، لأن الآلهة الأصنام تضر أكثر ما تنفع، والإلوهية في الحزب دليل أكيد من أن هناك كفرا غير طبيعي داخل الحزب.
من جهة أخرى إن الديمومة في دفة أمانة الحزب ضعف للحزب، وهدم له، وقزم للكوادر الأخرى، ولا بد أن يثير اعتراضات قوية، والقائد الحزبي في حروبه غير المقدسة سيتكئ على بطانة ضعيفة فاسدة تلك البطانة هو الذي يأتي بها لتكون طوع بنانه، وترسا واقيا، يقيه من الكلام الحق، وسيفا باترا، لبتر أي عضو في جسد الحزب، وكتم أي صوت يتململ وينطق بالحق، كالمطالبة بالتغيير والإصلاح، والغريب أن أكثر أعدائه (خصومه) من داخل الحزب..

القائد في حزب ينتفع منه، لن يدعه معافى، لأن الحزب المعافى سيشكر السكرتير وسيستبدله، ولن يؤلهه ويؤبده..
من جهة أخرى هذا الشكل من التنظيم الحديدي، كانت الأحزاب الستالينية تتبجح بأنه يضعف من فرص التكتلات داخل التنظيمات، أو التشدد بضرب أي تكتل يظهر داخل الحزب وكان عندهم أي اختلاف أو تباين هو تكتل يجب نبذه، لكن اليوم ألا يمكن أن نقول أن الآراء مهما اختلفت وتباينت، يمكن لها أن تتعايش وتتنافس داخل تنظيم واحد، دون أن يقضي فريق على منافسه بالموت، يتربص به في المؤتمر، ليقضي عليه بضربة غادرة قاضية، ولا يهم الفريق الفائز بنشوة الانتصار، أنه بالمقابل أضعف الحزب..

كما أن هذا التنافر داخل الحركة السياسية الكوردية، يبعث على نفور وتيئيس الشباب من الانخراط في العمل السياسي..


أيضا لا بد من الشفافية في العلاقات التنظيمية الداخلية، والوضوح في أمور مالية الحزب، لا بد أن تكون هناك هيئة مشرفة، من أين يأتي التمويل، لأنه كثيرا ما يكون المموّل له تأثيره في وجهات الحزب النضالية، كما لا بد له أن يؤثر في قراراته السياسية واستقلاليته، لا بد للحزب أي حزب كان أن يركز على القضايا الوطنية، وأن يعزز في شعاراته الدعوة إلى اللحمة الوطنية، والأخوة العربية الكوردية، إن كل القضايا المختلف عليها لن تحلّ إلا في العاصمة السورية دمشق..

يبدو لي أخيرا..

إن قوة أي حزب هي من قوة أعضاء الحزب، ومن برامجه النضالية، وسماته العملية، أما الذين يتجلببون بجلباب البر زاني الخالد بمزاعمهم وكتاباتهم، وعينهم في الوقت ذاته على الضفة الأخرى، لن يوهموا أحدا، مهما رفعوا من عقيرتهم..! إن واقع أحزابنا بحاجة إلى إصلاحات من الداخل، والبحث عن صيغ تجمع أكثر مما تفرٌق، وإن الحزب يمكن أن يضم الجميع مهما تباينت آراؤهم، ولن يستطيع أحد أن يقف حجر عثرة في وجه التجديد والإصلاح، ورفد الواقع الحزبي بدم جديد وروح جديدة، والتغيير في قيادة أي حزب ينبغي أن لا يتم بصورة ميكانيكية، لكن يجب البحث عن صيغ دينامكية خلاقة..وإن وحدة الحركة أو الوحدة بين معظم فصائلها أمر يستوجبه الواقع، وتحتمه الأخلاق، أما أولئك المعترضون والمتلكئون فلن تجدهم إلا في عربة الماضي كنفيات ترمى في مزبلة التاريخ..!

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…