(مام جلال) القاسم الوطني المشترك لكل العراقيين!

  بقلم: صلاح برواري- السليمانية

مِن على شاشات التلفاز، نرى ممثلي هذا الطيف العراقي الجميل، أو ذاك، يتوافدون إلى قصر الرئاسة في بغداد، للتداول مع فخامة الرئيس جلال طالباني (مام جلال)، في مسألة نتائج الانتخابات الأخيرة، وجهود كل الخيّرين من أبناء هذا الوطن المعطاء، لتشكيل حكومة وحدة وطنية حقيقية.

هذا الرجل السبعيني، يبدو محاوراً نشِطاً، كدأبهِ أبداً.

يدير تلك اللقاءات والاجتماعات بروح الحرص الوطني، وابتسامته لا تفارق محيّاه.

يناقش هذا، ويلتفت مسرعاً لسماع رأي ذاك؛ متحدثاً إلى الجميع، ومستمعاً إلى الجميع، بحكمة الشيوخ وهمّة الشباب.
كلما أرى سيادته على التلفاز، في مثل هذه اللقاءات، ومِن البعيد البعيد، أتحسّر شوقاً إلى تلك الأيام الغابرة، في دمشق؛ إذ كنت أجلس قريباً من سيادته دوماً، في منزله بدمشق، استمع بشغف ولهفة إلى حديثه السياسي المشوِّق، مع ضيوفه من مختلف أطياف المعارضة الوطنية العراقية.
اختزنت ذاكرتي عشرات الأمثلة الجميلة، التي أورد بعضاً منها في مقالاتي، ذات الطابع السياسي، بين الفينة والأخرى.
في هذا المقال أيضاً، سأورد بعضاً من تلك الأمثلة الجميلة؛ للاستدلال بها، على أن (مام جلال) كان ولا يزال وسيبقى “القاسم الوطني العراقي المشترك للجميع”!.
على أيام اجتماعات المعارضة الوطنية العراقية في دمشق، في تسعينيات القرن الماضي، حدث توتر شديد بين التيار الإسلامي (الشيعي)، واليساري (الماركسي)، والبعثي (قيادة قطر العراق).

قرر مام جلال ، وبحنكته وحكمته المعهودة، احتواء ذلك التوتر؛ عبر دعوة ممثلي تلك الأطراف، إلى منزله في دمشق، للتداول في الشأن الوطني العراقي المشترك.
كان أول الضيوف، مِن أخواننا الإسلاميين (الشيعة)؛ والذي بدا متحاملاً على اليساريين والبعثيين بشدة.

قال إن اليساريين الماركسيين، لن يقبلوا بافتتاح بيانات المعارضة العراقية بالبسملة “بسم الله الرحمن الرحيم”؛ وهو ما يشدد عليه الإسلاميون باصرار.
تعهد له (مام جلال) باقناع اليساريين، بقبول ذلك الشرط.

اعترض الإسلامي على وجود البعثيين، في الاجتماع المزمع عقده في دمشق، لأطياف المعارضة العراقية؛ قائلاً إن البعثيين منافقون، وإنهم يكذبون في شعاراتهم الوطنية والقومية!.
هدّأ مام جلال من غضب ضيفه، قائلاً له: دعهم يحضرون الاجتماع، وعندها سيتبيّن لنا جميعاً صدقهم مِن كذبهم!.

هؤلاء البعثيون (قيادة قطر العراق) أناس مناضلون، وهم مثلنا مِن ضحايا النظام العفلقي.

لقد قدموا الكثير من الشهداء والمعتقلين والمغتربين، على مذبح معارضتهم للنظام الدكتاتوري وسياساته.

أنا – كقومي كوردي- لا أستطيع معاداة شخص أو تيار، اختار فكر (البعث) لتحقيق أهدافه القومية.

أنا صديق لكل قومي عربي، سواء أكان ناصرياً أم بعثياً؛ على أن لا يكون عنصرياً وشوفينياً، وأن لا ينظر إلى شعبي وقضيته بعين العداء.

ثم إن (قيادة قطر العراق) تقدم الكثير من التسهيلات هنا للعراقيين وأبنائهم (من بطاقات تعريف، إلى وثائق تسهّل دراسة أبناء العراقيين في سورية)؛ وتوجَّه الكثير من مناضليهم إلى كوردستان، للمشاركة في مقاتلة النظام العراقي، جنباً إلى جنب قوات بيشمركة الاتحاد الوطني الكوردستاني، على أيام (التجمع الوطني العراقي).
وبعد شرح مستفيض، اقتنع المعارض الإسلامي بوجهة نظر مام جلال، وسحب اعتراضه على مشاركة البعثيين في الاجتماع.

وعند الباب، شدّ مام جلال على يده قائلاً: كلنا معاً، نشكل “شدّة ورد” عراقية جميلة، تفوح منها رائحة الوطن!.

عانق الأخ الإسلامي مام جلال، وقبّله قائلاً: بارك الله بك مام جلال… بارك الله بك.
بعد ذلك بقليل، دخل شخص يساري متشدد، أبدى اعتراضه على مسألة “البسملة”، التي يصر عليها الإسلاميون.

هدّأ مام جلال من غضبه أيضاً، قائلاً له: أنا شخصياً ابن شيخ طريقة إسلامية في كوردستان، وربما تكون أنت أيضاً ابن سيّد جنوبي؛ لكننا معاً يساريان.

وسواء التزمنا بالتعاليم الإسلامية، أم لم نلتزم؛ فنحن مسلمون، وننتمي إلى مجتمع إسلامي في غالبيته.

علينا مراعاة قناعات الناس الدينية، وإلا فلن نستطيع تحرير العراق يوماً.
ظل الأخ اليساري يماطل ويراوغ، قائلاً: والله صعب… والله لا أستطيع!.
أمسك مام جلال بيده قائلاً: من أربع كلمات نطقتـَها الآن، ذكرتَ لفظ الجلالة (الله) مرتين!.

هل تستطيع التحدث لدقيقة أو دقيقتين، من دون أن تذكر اسم الله؟.

شعر اليساري بالحرج وقال: لا والله!.

ضحك مام جلال بشدة، وقال: إذن، والله، سيتصدّر اسم (الله) كل بيان نصدره مع الإسلاميين.

خرج الأخ اليساري، وقد زال توتره تماماً.
وبعد هنيهةٍ، اتصل (مام جلال) بالسيد عبد الحليم خدام، نائب الرئيس السوري حافظ الأسد (رحمه الله)، قائلاً له: حللنا كل الإشكالات مع الإسلاميين واليساريين، وبقي أن تبعثوا لنا شخصين عاقلين من (حزب البعث)؛ إذا كانا لا يجيدان النقاش، فليجيدا الاستماع على الأقل.

ضحك )خدام( وقال: من الصعب جداً إيجاد شخص عاقل واحد في (حزب البعث)، فكيف أبعث لك اثنين؟!.
في بداية الاجتماع (كما أخبرَنا مام جلال لاحقاً)، ظهر السرور على الإسلاميين، لخلو الاجتماع من البعثيين؛ لكن مام جلال استدرك قائلاً: بطلب من الأخوة في القيادة السورية، أنا هنا أمثل البعثيين (قيادة قطر العراق) أيضاً، إضافة إلى تمثيلي للجانب الكوردي أيضاً، بتفويض من أخي أستاذ مسعود بارزاني.
في الأمس القريب، كان (مام جلال) يؤدي دور (الرئيس العراقي غير المتوَّج)، في التقريب بين مختلف التيارات الوطنية العراقية؛ وهو اليوم يؤدي نفس الدور، بعد أن تم تتويجه رئيساً للعراق، من قبل أبنائه الغيارى.

هنيئاً للعراق بهكذا رئيس.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…