استهداف الكرد: مجرد إرهاب، أم تعبير عن الإنكار؟؟.

  افتتاحية جريدة يكيتي (YEKÎTÎ) *

   لقد بات معلوماً، للقاصي والدّاني، بأن الكرد أصبحوا مستهدفين من قبل جهات شوفينية، لا تريد الخير لهؤلاء الناس، وان هذا الاستهداف يعلن عن نفسه بأشكال عديدة، تراوحت، مع الزمن، بين التنكّر لمتطلبات الشراكة الوطنية، وإنكار الوجود، إلى التجريد من الجنسية والحرمان من حق التملّك عبر مشاريع عنصرية وقوانين ومراسيم مسلّحة بإجراءات المنع والقمع، وانتهاءً باستسهال قتل المواطنين الكرد، وإطلاق الرصاص الحي كلما سنحت للجهات الأمنية الفرصة لإراقة الدم الوطني الكردي، دون أي شعور بالندم، أو إحساس بالمسؤولية، رغم تكرار هذا المشهد الدموي لأكثر من مرة.

فأحداث آذار الأليمة لا تزال تشكل جرحاً لم يندمل بعد، لأنها خلقت حالة غير مسبوقة من الاحتقان، لم تتغذى فقط من حجم الضحايا وضخامة الخسائر، بل كذلك من طريقة تعامل السلطة مع تلك الحوادث التي وصفها بأعمال شغب، والتعامل مع ضحاياها من شهداء وجرحى ومعتقلين ومنهوبين، كخارجين على القانون، والامتناع عن فتح تحقيق عادل وشفاف لمحاسبة المسؤولين عن افتعالها ..
  وللدلالة على تعمّد ذلك الافتعال، فقد سالت دماء أخرى في ليلة نوروز 2008 من قبل جهات أمنية أطلقت النار هذه المرة على محتفلين آمنين، وبقى القتلة مرة أخرى خارج حدود المساءلة المحاسبة، وكأنهم قاموا بواجب وطني، لأنه يتعلق بأناس احتفلوا بعيدهم القومي يختلفون عن غيرهم فقط باللغــــة والانتماء …

ومنذ ذلك الوقت حرصت تلك الجهات الشوفينية على إثبات حضورها، واستغلال أية مناسبة تتعلق بالشأن الكردي بقصد الإساءة والإرهاب، كانت آخرها احتفالات نوروز الرقة، لتقوم باستفزاز المحتفلين واستغلال ردود أفعالهم في ممارسة هواية إطلاق النار والقتل العشوائي، مما أثار هذه المرة أيضا استنكار واستهجان العديد من القوى السياسية ومنظمات حقوق الإنسان في الداخل والخارج، والتي أبدت قلقها من هذا الاستهداف المريب الذي لا تستطيع ذرائع السلطة، إخفاء بشاعته، وطالبت جميعها بتحقيق عادل لمحاسبة المدانين، ووضع حد للتشدّد الأمني الذي بات يشكّل السمة الأساسية للتعامل مع كل ما هو كردي، انطلاقاً من دوافع لم تعد تخفى على أحد، والتي تترافق مع محاولات تلك الجهات لاستعداء الرأي العام الوطني على الكرد والتشكيك بولائهم الوطني.

وتستمد تلك الدوافع أسبابها من عوامل متشابكة، تعاونت معاً لخلق حالة من الاغتراب تنعكس نتائجها الخطيرة على المجتمع الكردي على شكل تعبيرات لم تألفها الثقافة الوطنية الكردية، مثل الانعزالية والتطرّف، الذي انتعش أصلا مع علاقات السلطة بجهات كردستانية، أرادت منها ابتزاز الجوار الإقليمي، من جهة، وتحويل أنظار الكرد إلى الخارج الكردستاني، بهدف استنزاف طاقات الشعب الكردي، وإلهاء حركته الوطنية وإيجاد ما يلزم من المبرّرات اللازمة للتشكيك بولائه السوري، من جهة أخرى.


 ورغم أن تلك العلاقات استنفذت أغراضها الآن، فإن  السلطة لا تزال تشجّع ظاهرة الانعزال والشعارات المسلوخة عن واقعها، بطرق غير مباشرة لأن تـلك الشعارات تثير شركاءنا في الوطن، وتدفع النخب الثقافية والسياسية العربية أحياناً باتجاه الفهم الخاطئ للقضية الكردية، والاصطفاف إلى جانب النظام في تنكره لوجود قضية كردية، تحتاج إلى حل وطني، كما أنها تبرّر سياسة الحرمان والقمع التي تجيدها السلطة، ولا تتناسب قساوتها مطلقاً مع حجم حراك ديمقراطي سلمي متواضع هنا، أو احتفال فني صغير هناك..

مما يعني أن استهداف الكرد له أسباب أخرى تنطلق بعضها من الانتقام جزاءً على تفاعل الحراك الكردي مع النضال الديمقراطي العام، وعلى المشاركة الكردية في أطر المعارضة الوطنية، وخاصة إئتلاف إعلان دمشق الذي بني أصلاً على خلفية اليأس الذي خيّم على القوى الوطنية المؤتلفة من إمكانية الإصلاح، والاعتراف بالآخر السياسي والقومي، ومن إطلاق الحريات العامة، بما في ذلك يأس الجانب الكردي من تفهّم السلطة لقضيته وإمكانية إيجاد حل ديمقراطي عادل لها في المدى المنظور، خاصة في ظل دعم سياستها المنتهجة حيال الشعب الكردي بمزيد من القوانين والمراسم الإستثنائية التي لا تستثني أحداً في المجتمع الكردي المهدّد بالتفكّك والفقر والهجرة الاضطرارية، مما ينعكس ضرراً على تطوره الاقتصادي والثقافي وحراكه السياسي، ويخلق بيئة خصبة وموبوءة بكل أشكال الانحراف، بما في ذلك التطرّف الذي نؤكد، مرة أخرى، على مسؤولية السلطة في إنعاشه من خلال الإمعان في تطبيق المشاريع العنصرية وإنكار الوجود الكردي والتنكّر لحقوق وعدالة الحركة الكردية، والتهرّب من الاستحقاقات الوطنية..

جميعها تخلق حالة من اليأس وتضعف أواصر الانتماء الوطني، وتهدّد مصداقية السياسة الموضوعية التي تنتهجها الحركة الكردية، بمختلف أطرافها.

تلك السياسة التي تستحق الاحترام والتجاوب من قبل السلطة لأنها تعبّر عن إرادة شعب مظلوم ومضطهد لن يكون مصيره حالة شاذة في التاريخ، فالشعوب لا تبقى محرومة إلى الأبد، والكرد في سوريا لن تنقصهم مقوّمات الصمود في وجه محاولات الصهر والقهر، وأن المستقبل كفيل بجلاء الحقيقة الكردية، وبخطأ الحسابات الشوفينية، وأن حتمية فشل سياسة التمييز لا تحتاج للمزيد من الأدلة، وأن ذلك المستقبل ليس ببعيد، وأن تلك الدلائل تؤكد بأن الضغوطات الممارسة منذ سنوات لم تنل من إرادة الوطنيين الكرد، ومن إيمانهم بقضيتهم وثقتهم بحلفائهم الكثيرين في هذا الوطن، الذي لا يعيش خارج التاريخ، وأن ما يجري حول هذا الوطن من تطورات  ليست بعيدة عنا، وأن علينا أن نأخذ منها العبر والدروس، فالعراق كبلد، يفتخر الآن بتجربته الإنتخابية الأخيرة التي وفّرت للمنطقة عموماً فرصة نادرة لإمكانية التغيير الديمقراطي السلمي ولسهولة تداول السلطة، وأعطى بذلك درساً بليغاً زاخراً بالتنوّع السياسي والمذهبي والقومي، فالكرد هناك يتجهون إلى بغداد للمشاركة في صنع مستقبل العراق، وأن الكرد في سوريا أيضاً ينتظرون أن تفتح أمامهم أبواب دمشق السياسية لكي يستعيدوا قدرتهم على التضحية في سبيل وطنهم.

كما أن مبادرة آردوغان الديمقراطية رغم ما تعيقها من عراقيل واعتراضات العسكر والقوميين المتشدّدين، فإنها تتحرك نحو النجاح، بعد أن فتحت الحكومة فضائية كردية تشجّع الفولكلور الكردي وتحمي وتطور اللغة الكردية، وبعد أن فاق عدد البرلمانين الكرد المائة في البرلمان التركي، وبات الاعتراف الدستوري بالوجود القومي الكردي مسألة وقت.

وبالتأكيد فإن الآفاق المفتوحة هناك تجعل من إغراق الجانب الكردي السوري في العتمة، والشطب على الحقيقة الكردية، والإصرار على إخضاع الكرد لسياسة تمييز قومي عفا عليها الزمن، أمراً غير مقبول على الإطلاق.

فالتضييق على احتفالات نوروز ومنع تداول اللغة الكردية مثلاً لا يفيد أحداً سوى أعداء العيش المشترك، في حين يعبّر الامتناع عن إعادة الجنسية للمجرّدين منها، عن مجرد نزعة الإساءة للأخوة العربية الكردية والإساءة للوطن الذي سيظل جميلاً بألوان مكوّناته..

ولن تستطيع السياسة الشوفينية إجبار الحركة الكردية أن تحيد عن خطّها الوطني، وستظل تنطلق من مصلحة الشعب السوري، بما فيه الكردي، ومن مصلحة الداخل الوطني، بعيداً عن الأجندات الخارجية.

كما ستظل وفيّة لوثيقة الشراكة الوطنية، لتصون وحدة سوريا وسيادتها وتنتهج النضال الديمقراطي السلمي، الذي سيبقى طريقنا للمستقبل.

* الجريدة المركزية لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي)– العدد (200) آذار-2010

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زار وفد من المنظمة الآثورية الديمقراطية ضم السيد كبرئيل موشي مسؤول المنظمة والسيد بشير سعدي نائب المسؤول، والسيد ريمون يوخنا عضو الأمانة العامة، مكتب المجلس الوطني الكردي في دمشق، في إطار تعزيز العلاقات الثنائية والتنسيق المشترك. وكان في استقبال الوفد الأستاذ نعمت داوود، عضو هيئة رئاسة المجلس، والأستاذ لقمان أوسو، رئيس محلية دمشق، حيث بحث الجانبان لقاء رئاسة المجلس مع…

شارك وفدٌ من ممثلية أوروباللمجلس الوطني الكردي في سوريا في إحياء الذكرى الرابعة عشرة لاستشهاد المناضل نصرالدين برهك عضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا وضمّ الوفد كلاً من السيد عبد الكريم حاجي رئيس ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا، إلى جانب وفدٍ من مكتب العلاقات شمل كلاً من كاميران خلف برو مسؤول مكتب العلاقات، وجنكيدار محمد، وباران درباس….

عبدو خليل Abdo Khalil أواخر صيف عام 2012 كنت قد لجأت للقرية هربا من مخاطر الاعتقال.. كانت المنطقة سلمت بالكامل من قبل النظام السوري للعمال الكردستاني ولم يتبقى سوى بعض عناصر الأمن المكلفين بالمراقبة عن بعد.. جاء يوم َرفع فيه فتية وفتيات قريتنا نازواوشاغي علم الثورة فوق مسجد القرية.. سرعان ما أصاب الذعر زعران قنديل.. نزلوا العلم وتوعدوا أهل القرية…..

صلاح بدرالدين إشكالية الداخل والخارج : بين حين وآخر نسمع أصواتا – فيسبوكية – تدعو الى اسكات كرد الخارج ، ومنح احقية الكلام حول الشعب ، والوطن ، والقضية لمن هم بالداخل فقط ، وكما أرى : ١ – بسبب تعرض الكرد السوريين للاضطهاد القومي منذ الاستقلال وحتى يوم سقوط نظام الاستبداد في الثامن من ديسمبر \ ٢٠٢٤ ، وملاحقة…